كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
هدايا المجوس

   تحتلّ الهدايا المقدّسة، "الذّهب واللّبان والمرّ"، الّتي قدمها المجوس الثّلاثة من المشرق للرّبّ المتأنّس، المرتبة الأولى، بين الكنوز المختلفة والجواهر الثّمينة المحفوظة بورعٍ كبير، في دير "القدّيس بولس" في الجبل المقدس (آثوس).

   الذّخائر محفوظة على شكل ٢٨ سبيكة مزخرفة وبأشكالٍ متنوّعة، أبعاد كلّ واحدة منها ٥ x ٧ سم وكلّ واحدةٍ منها لها شكلها الخاصّ وزخرفتها الخاصّة وعملها الدّقيق. اللّبان والمرّ حُفظا بشكلِ أحجامٍ كرويّة عددها ٧٠ كرة بحجم حبّة الزّيتون.

   يقال أنّ الهدايا التي قدّمها المجوس كانت تعبيراً عن إيمانهم به ملكاً (الذهب) إلهاً (اللبان) وفادياً متألماً (المرّ)، هذا القول ظهر أول ما ظهر عند "القديس إيريناوس الليّوني" في القرن الثّاني الميلادي. ولكن وردت أيضًا في التّراث تأويلات أخرى كمثل أنّ الذّهب يشير إلى الفضيلة واللّبان إلى الصّلاة والمرّ إلى الآلام.

   قيمة هذه الهدايا الماديّة والتّاريخيّة والأثريّة لا تقدّر. لذلك هي محفوظة، باهتمامٍ خاصّ، في صناديق ذخائر في دير القدّيس بولس، لكنّ جزءًا وحيدًا منها وُضع في مكان حفظ الذّخائر الخاصّ في الدّير، وتُرسل بهدف التبرّك منها ليس فقط في الجبل المقدّس، بل في الميتروبوليّات والأبرشيّات الأخرى.

   كتب الإنجيليّ لوقا عن العذراء مريم أنّها كانت تحفظ الأشياء في قلبها، "أمّا مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفّكرةً في قلبها" (لو ٢: ١٩) و"كانت أمّه تحفظ جميع هذا في قلبها" (لو ١: ٥١). لقد حفظت والدة الإله أعمال الرّبّ المقدّسة كما حفظت كلّ ما يتعلّق بحياته الأرضية. ومن الطّبيعيّ أن تكون قد حفظت الهدايا المقدسة. ووفقًا لتقليدنا التّاريخيّ والدّينيّ، أعطت العذراء مريم، قبل رقادها، هذه الهدايا مع ثيابها وزنّارها والمنديل المقدّس لكنيسة أورشليم حيث بقيت حتّى حوالي السّنة ٤٠٠. بعد ذلك، نقلها الأمبراطور "أركاديوس" إلى القسطنطينيّة لتبريك الشّعب ولحفظها في المدينة العاصمة. بقيت هناك حتّى سقوطها بيد الأفرنج العام ١٢٠٤. إثر ذلك نُقلت إلى نيقية، وحُفظت هناك لمدّة ٦٠ سنة، لأجل الحفظ الأمين مع كنوز أخرى موروثة، ثمّ أُعيدت إلى القسطنطينيّة حيث بقيت حتّى سيطرة الأتراك العام ١٤٥٣.

الملكة مارو التّقية تسلّم الهدايا إلى الرّهبان

   بعد فتح القسطنطينية نقلت "مارو" التّقيّة، الّتي كانت مسيحيّة من أصل صربيّ، وهي والدة "محمّد الفاتح"، هذه الهدايا بنفسها إلى دير القدّيس بولس في الجبل المقدّس، الدّير الّذي كان يعرفه والدها جاورجيوس ملك صربيا وقد بنى كنيستها الأساسيّة على اسم القدّيس جاورجيوس اللّابس الظّفر. فصعدت "مارو" من المرفأ إلى الدّير، ولكنّ السّيّدة العذراء، بطريقة تفوق الطّبيعة، أعاقتها، لكي لا تقترب من الدّير، وتنتهك حرمة الجبل المقدّس. لأنّه بحسب التّقليد الآثوسيّ، لا يستطع النّساء دخول الجبل المقدّس. أطاعت "مارو" السّيّدة العذراء، وأعطت الهدايا للرّهبان الورعين الّذين نصبوا صليبًا، كعلامة ظهور العذراء، في ذلك المكان، وهو ما زال محفوظًا هناك حتّى يومنا هذا، ويُدعى صليب الملكة. والدّير يحتفظ بالتّوقيع الملكيّ مع خبر تسليم الهدايا ضمن مخطوطاته.

   إنّ أصالة هذه الهدايا المقدسة ترتكز من ناحيةٍ على التّقليد الشّفهيّ ومن ناحية أخرى على التّاريخ. لكنّ الأمر الثّابت هو أنّ عطرًا زكيّ الرّائحة، يصعب وصفه، ينبعث منها من دون انقطاع وهي نبع للنّعم الشّفائية والعجائبية إلى يومنا هذا. نذكر منها ما يلي:

   - عيّن ديرنا في منطقة "ستيرنا" شرقيّ "ثراكي" مدبّرًا للدّير يهتمّ بأملاكه حتّى نهاية عام ١٨٦٠، وبعد وفاة المدّبر قام المندوبون عن المكان بإعلان استملاكهم هذه المنطقة (التّابعة للدّير) بما فيها من محتويات فضلاً عمّا في الكنيسة من ذخائر مقدّسة وقطعٍ من هدايا المجوس. وفي الفترة الّتي توسّطت وفاة المدبّر ومجيء المندوبين وإعلانهم هذا، قام أحد سكّان القرية وأخفى صندوق هدايا المجوس واحتفظ بها ككنزٍ خاص بعائلته متوارث. حاول الرّهبان البحث عنها فلم يفلحوا. سنة ١٩٢٤ جرى تبادل السّكان، ونُقل سكّان ناحية "ستيرنا" إلى "كافالاس"، ونُقلت معهم الذّخائر المقدّسة مع هدايا المجوس. وبعد أن استقرّت هذه العائلة في منطقة "كافالاس"، رأى هذا الشّخص في نومه أحد الرّهبان، وهو "القدّيس بولس كسيروبوتامو"، مؤسّس الدّير، يطلب منه بصرامة أن يُعيد هدايا المجوس لدير القدّيس بولس في جبل آثوس حيث توجد بقية الهدايا. اضطرب الرّجل لكنّه لم يشأ أن يُطيع القدّيس. وتكررت الحادثة للمرّة الثّانية والثّالثة لكن في آخر مرّة هدّده القدّيس بقساوة، قائلاً له أنّ تدنيس الأشياء المقدسة يجلب عليه اللّعنة والعقاب. خاف الرّجل وقصد كاهن الرّعية الّذي فهم وأدرك أنّه من اللّياقة أن تسلّم الهدايا لمتروبوليت "كافالاس" الّذي بدوره أعلم رئيس أساقفة اليونان "خريسوستموس"، الّذي أخبر الدّير*، وقامت لجنة باستلام الهدايا ومنذ ذلك الحين تُحفظ الهدايا في صناديق الدّير.

صورة عن هدايا المجوس

   - وفي بداية القرن التّاسع عشر وبقرار من الدّير تمّ توزيع الهدايا المقدّسة على المناطق التّابعة لرعاية الدّير والّتي تُسمّى باللّغة اليونانيّة "ميتوخيون" لكي يتبرّك المؤمنون منها.

   وكانت إحدى تلك القرى الّتي استقرّت فيها هذه الهدايا  قرية "سوتيراس". لم يكن بإمكان هذه القرية أن تنمو وتزدهر. لكن بمجرّد نقل الهدايا المقدّسة إليها وبطريقة غير متوقّعة عرفت النّمو والرّفاهية والرّخاء في العيش. لأنّه في تلك الحقبة وجدت المنطقة أكبر احتياطيّ "للتوتياء" (نوع من المعادن) وهكذا خلال سنوات قليلة ازداد عدد المنازل من ١٠ إلى ١٠٠ منزل. وكان عندما يمرض أحد السّكان يأتونه بأشياء لامست الهدايا المقدّسة أو بقطعة منها، وكان السّكان يشفون بطريقة عجائبيّة لمجرّد ملامستهم هذه الأشياء المقدّسة.

   وإنّ كثيرين من سكّان منطقة "سوتيراس" الّذين يعيشون إلى يومنا هذا ولديهم أولاد يتذكّرون ما حصل من خبرات وعجائب شفائيّة الّتي تمّت حينها.

   - ومنذ سنوات قليلة حدثت عجيبة مميّزة مع "الأب ميثوديوس" الّذي من"كابسوكاليفيا" في جبل آثوس. كان الأب ميثوديوس يعاني من آلام لا تحتمل في المعدة، وقد أطلع رئيس دير القدّيس بولس "الأب أندريا" عن حاله، فقام "الأب أندريا" وأخذ جعبة تحوي قليلًا من الهدايا المكرّمة وذهب بها إلى "كابسوكاليفيا"، كما روى هو بنفسه: هناك، عند "الأب ميثوديوس"، كرّس المياه وأعطاه ليشرب، وسجد "الأب ميثوديوس" للهدايا المقدّسة وحالاً شُفي من مرضه. ومنذ ذلك الحين لم يشعر بأيّ ألمٍ في معدته.

   هناك عجائب شفائية كثيرة وطرد للأرواح الشّرّيرة تعود إلى هذه الهديا وهي مدوّنة في سجلات الدّير، بالإضافة لدرئها للعواصف والحرائق وإنقاذها لرهبان الدّير في أكثر من حادثة.

   من تعاليم "القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ" في الهدايا المقدّسة

   "تعالوا نتأمّل يا أحبّائي، الهدايا الّتي قدّمها المجوس إلى الرّب يسوع المسيح. إنّهم قدّموا للملك المولود جديدًا: المعرفة، والطّاعة، والمحبّة. من خلال الذّهب أظهروا أنّه ملك، ومن خلال اللّبان أظهروا أنّه إله، ومن خلال المرّ أظهروا أنّه مائت كإنسان. وهؤلاء بدورهم أخذوا من الرّب نعمًا ثلاث بدل الهدايا الّتي قدّموها، فعوض الذّهب أخذوا نعمة التّحرّر من هوى حبّ الفضة، وعوض اللّبان نالوا نعمة التّحرّر من عبادة الأوثان، وأخذوا عوض المرّ التّحرّر من الموت الجسدي والنّفسيّ. فيا لها من عطايا ومن كرم عظيميَن يظهرها الرّب القدير!"...


المرجع:

   هدايا المجوس، نبع النّعمة (2006) نقله إلى العربيّة رامي مخّول، منشورات مكتبة البشارة بانياس.

 

* في الدّير وثيقة تتعلّق بهذه المراسلات

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share