كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
المصابيح المضيئة

للقدّيس نيقولاي فليميروفيتش


     رؤية الرّوح هي في القلب. من القلب ومن خلاله يرى الإنسان الرّوحاني ويتحكّم بكلّ روحه. والقلب النّقي يعني رؤية روحية سليمة. والإنسان الّذي اقتنى قلبًا نقيًا يرى لا فقط روحه، بل يعاين الله نفسه. بكلمات المسيح: "طوبى للأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله". وكما نرى بعيوننا الحسيّة لا فقط نور الشمس بل الشمس الّتي هي مصدر النور الخارجي، كذلك بالرؤية الرّوحية نرى في داخلنا لا فقط عجائب نور الله اللامتناهية، بل الله نفسه أيضًا، الّذي هو الشمس الرّوحية، المصدر الجوهري للنور الرّوحي، أي نور الحق والحبّ.

     في ما يتعلّق بالأمر أعلاه، سأسرد عليكم رؤية عاينتها راهبة في دير كما وصفتها هي. اسم الرّاهبة "مجداليني" (Magdalene) أي المجدلية وكانت راهبة مجّدة في الصّلاة والصّوم. تصلّي لله بالأخص أثناء تجوالها حول الكنيسة وفي المقابر خلال ساعات الليل. أطلقت على نفسها اسم "مجدا البلهاء" (foolish Magda)، لكنّها كانت تخاطب الأخوات بـ"ذوات القلوب الذهبية" (Golden Hearts). اعتادت القول لهنّ: "لماذا جئتن إلى "مجدا البلهاء"، يا ذوات القلوب الذهبية؟". كانت تخلد إلى قلايتها باكرًا كلّ مساء قبل كلّ الأخوات، ولكن ما إن تحسّ بأنهن قد خلدن إلى النّوم، حتّى كانت تخرج من قلايتها إلى حديقة الكنيسة ومسبحتها بيدها، تطوف حول الكنيسة وبين القبور. يقول البعض إنّهنّ كنّ يرينها منحنية فوق القبور الواحد بعد الآخر كأنها تخاطب الموتى. كلّ الأخوات كنّ يحببنها لكنهن كن يخفن منها بسبب هذه الخاصيّة الغريبة وكأنّها روحٌ من العالم الآخر.

     وحصل أنّ "مجدا"، عندما تقدّمت في العمر، توقفت فجأةً عن التجوال حول الكنيسة وبين القبور. والأغرب من ذلك أنّها توقفت عن الكلام أيضًا. أمضت صيفًا بكامله دون أن تتفوّه بكلمة واحدة لأيّ كان.  لم تبدُ حزينة بل متأمّلة صامتة كحائط حجريّ. حزِنَ الأخوات لمرآها ولكن لم يجرؤ أحد على سؤالها عن شيء. أحببنها أكثر من ذي قبل، لكنّهنّ خشينها الآن وقد لزمت الصّمت. في الخريف، مرضت الرّاهبة المسنّة، وعادت مجددًا تتحدث إلى الأخوات بطريقة محبية أكثر من ذي قبل، مخاطبة إيّاهن هكذا: "يا أخواتي في الرّب ذوات القلوب الذهبية!". عندها شعر الأخوات بالميل إلى طرح السّؤال عليها عن السّبب الّذي ألزمها الصّمت طيلة هذه الفترة.


رؤية الأخت مجداليني


     "حسنًا، يا أخواتي في الرّب ذوات القلوب الذهبية، حسنًا!" هكذا استهلّت الرّاهبة "مجدا" قصّتها. "لن تسمحن لي بأن آخذ سرّي معي إلى القبر. لن تسمحن لـ”مجدا البلهاء” بإخفاء أي شيء عنكن، يا ذوات القلوب الذهبية، ولا أن آخذ سري معي! على كلّ حال، ربّما يريد الرّبّ الإله من "مجدا البلهاء" أن تبوح لكنّ برؤيتها في إحدى تلك الليالي."

     "نعم، يا ذوات القلوب الذهبية، حصل لي ذلك في تلك الليلة العجائبية الّتي تسبق سبت لعازر، وهو اليوم السّابق للشعانين، عندما كان القمر بدرًا يشع بنوره ويراقب "مجدا البلهاء" بانذهال وهي تجول المقابر في منتصف الليل بينما أنتن نائمات. حصل لي ذلك في ذلك اليوم بالتحديد، هذا اليوم الّذي تُذكر فيه إقامة الرّب يسوع لعازر من بين الأموات."

     "كانت"مجدا البلهاء" منحنيةً على قبرٍ طارحةً في نفسها سؤالها الأثيم عينه الّذي طرحته آلاف المرات، سائلةً الأرض السّوداء والقبور المظلمة عنه – هذا السّؤال الأثيم الدائم الّذي كان يقض مضجعي لسنين طوال: "ماذا تفعلن تحت التراب، يا أخواتي الرّاقدات؟ كيف شكل أجسادكن الآن، وأين هي أرواحكن؟"

     "ثم رفعت رأسي ونظرت إلى البدر. بدا لي كأنّ القمر، خليقَ الله، يرمقني بنظرة قاسية مؤنّبًا إيّاي، كما لو كان يتهددني إن نقلت شكواي إلى شمس الله بسؤالي الأثيم، وقلة إيمان "مجدا البلهاء". ارتعبت من القمر، وحجبت عينيّ بكفيّ، وانحنيت فوق القبر. ثم أخذت أُصلّي لأخواتي الرّاقدات ليسامحنني: "سامحنني، أخواتي العزيزات، أنتن اللواتي في القبر، سامحن "مجدا البلهاء" لفعلها ما لم يفعله أحد، وسؤالها ما قد أُجيب عنه منذ أمدٍ بعيد. أُقسم أنّي لن آتي إلى قبوركن بعد اليوم؛ لن تزعجكن “مجدا البلهاء”، بعد اليوم، ولكن سوف تتضرّع إلى الله من أجلكن بأكثر حرارة وتهتم أكثر بتحضير نفسها للقدوم إليكنّ، في قبوركن، يا أخواتي في الرّب ذوات القلوب الذهبية."

     "على هذه الحال استمررت في التماس السّماح من أخواتي في قبورهن لفترة طويلة. ثم رفعت رأسي باتجاه القمر، ولكن لم يعد هناك قمر في السماء، لم يبقَ سوى ضوئه. ربما هرع القمر ليشكو أمام شمس الله "مجدا البلهاء". ولكن واحسرتاه، يا أخواتي، ما كشفه لي ضوء القمر! ما الّذي تراءى لـ"مجدا" الخاطئة في ضوء القمر! ناس، ناس، ومزيد من النّاس! لقد كانت المقبرة ممتلئة، وباحة الكنيسة ممتلئة؛ الشخص ملتصق بالآخر، من كلّ الجهات،  كما لو كانوا يتزاحمون الواحد أمام الآخر. كانوا كلّهم بيضًا. الكلّ ارتدى كتانًا أبيض اللون، ووجوههم مغطاة ببرقعٍ. ولكن تحت الكتّان، عند صدرهم، كان يشع نورٌ رقيق كما من مصباح. ثم خطرت لي فكرة: "كلّهم نساء، إنّهنّ أخواتي من المقبرة. لم أكن أرى وجوههن ولا أيديهن، ولكن شيء ما قال لي إنّهنّ أخواتي من المقبرة. وافتكرت في نفسي: "كم هنّ جميلات". "أنتن كالملائكة، يا أخواتي في الرّب ذوات القلوب الذهبية، أجمل من القمر ومن الشمس. كم أنتن جميلات، يا عروسات المسيح، بنات الله. جمالكنّ يأسر العين. كم أنتن بهيات وطاهرات؛ لستن مثل "مجدا" المظلمة والقذرة. نعم، لأنّه ليس لـ"مجدا" الإيمان والحبّ والطاعة والمثابرة والتواضع والصّلاة والنّقاء والحكمة والأعمال الصّالحة الّتي كنتن تتمتعن بها في حياتكن. نوحي، أيتها الحقيرة "مجدا"، نوحي على خطاياك، نوحي لقلة إيمانك وتوانيك، وعجرفتك وعدم طاعتك للرئيسة، وقلة محبّتك لأخواتك. نوحي، أيّتها الخاطئة ٱبنة حواء، لأجل أفكارك وشهواتك وأعمالك المخزية. أنظري حال بنات والدة الإله. لسن مثل بنات حواء، مخطوبات للحية الشيطان الخسيسة، مثلك أيتها السّاقطة "مجدا"، يا زؤان حواء. هؤلاء هن بنات الكلية القداسة العذراء مريم، والدة الإله؛ إنّهن قمح الفردوس الطاهر."

     "هكذا انتحبتُ على نفسي وعلى الأخطاء الّتي اقترفتُها في حياتي، أنا أسوء الخطأة. وفيما أنا على هذه الحال، أخذت هذه المجموعة البيضاء تتحرك إلى الأمام وإلى الوراء، يمنة ويسرة، كأنّها أمواج بيضاء، أو كأنّها سرب من الحمام، مصنوعات من الثلج الأبيض الناصع النّقي. ثم افتكرتُ في نفسي: "آه، يا ليتني أستطيع إزالة هذا البرقع الّذي يغطي وجوههن كي أرى جمالهن! آه، هل تستحق "مجدا" الخاطئة أن ترى وجوههن، والنظر إلى عيونهن؟".

     "وتحركت هذه الجمهرة البيضاء حولي، كالغيوم البيضاء حول الرّاهبة "مجدا" في ثوبها الأسود. "يا ليتهن ينزعن هذا الكتان، لكي أرى، أرى وأتأمّل هذا الجمال والبهاء السّماويين. إرحل بعيدًا، يا أيّها القمر، إهوِ في البحر! أتُرى منك تخجل أمّهاتنا وأخواتنا الذهبيات اللواتي سبقونا أن يُظهرن أنفسهن؟"

     "آه، يا لحماقة أمنياتك يا "مجدا البلهاء"!" في هذا اللحظة جمدت هذه الجمهرة البيضاء وتساقط كلّ الكتان الأبيض عن وجهوهن وأبدانهن إلى الأرض عند أقدامهن. وماذا رأيت؟ ماذا رأت عينا "مجدا البلهاء" المتعبتين؟ شيء يصعب وصفه! هل تظنّنّ أنّي رأيت جمالاً سماويًا، عذارى وملائكة الله؟ كلا، كلا، كلا، لا أبدًا. هياكل عظمية، هياكل عظمية، عظامًا، ميتة، عارية، بشعة، مخيفة! تجويفات العيون دون عيون، أسنانًا وفكوكًا خالية من اللحم والجلد، أضلاعًا كلّها عارية حتّى ليمكنك عدّها واحدة واحدة، أرجلاً كأنّها عصي بيضاء مقشورة؛ الكلّ كان هياكل عظمية وعظامًا. ولا شيء إلا هياكل عظمية وعظام."

     "عندها أخذ جسد “مجدا البلهاء”، هذا الجسد المقيت، يرتجف من الخوف والرعب مثل ورقة شجرة الحور لمرأى هذه المناظر المخيفة - كحال صياد سمك يجتذب شبكته الثقيلة متوقعًا سمكًا كثيرًا، فيجد حيات عوضًا عنها". أردتُ الصّراخ في الليل، ولكن الكلمات اختنقت في حلقي. شعرت أنّ كلّ هذه الهياكل العظمية سوف تنقضّ علي وتمزقني إرباً. بالكاد بقيت عندي القوة لأفتح فمي فتمتمت: "سامحنني، يا أخواتي القدّيسات، سامحن "مجدا البلهاء"!"، ثم صنعت مطّانية إلى الأرض أمام هذه الهياكل العظمية الغريبة والمخيفة – الأشباح، كما أسميتها.

     "بعد انحنائي إلى أسفل، رفعت رأسي عن الأرض ونظرت حولي. لم يكن هناك أثر لأي شيء في أي مكان. لا شيء على الأرض السّوداء، ما عدا الكنيسة والمقابر، وضوء القمر و"مجدا البلهاء" في ضوء القمر، بينما أنتن يا أخواتي المحظوظات ذوات القلوب الذهبية، كنتن نائمات. كأنّ كلّ شيء انزلق تحت التراب في لحظة، عندما كانت "مجدا" الخاطئة تؤدي المطّانية وترفع نفسها عن الأرض. فقط هدوء الليل بقي والحشيش الربيعي اليانع وضوء القمر الأبيض والكنيسة والمقابر.

     "ولكن عندما نظرتْ "مجدا" الحقيرة إلى أعلى، رأت عددًا كبيرًا من أضواء المصابيح، أضواء مصابيحٍ مشعة، تحلق بعيدًا إلى السّماء، وقوة ما اجتذبت "مجدا" ورفعتها، وحملتها إلى السّماء خلف المصابيح.

     "هناك، وجدت "مجدا" الخاطئة نفسها في مدينة الله، في بستان من الشجر أوراقه ذهبية وفضية، هفيفها موسيقي الرّنة كنغمة حلوة متناسقة. ومدينة الله كانت ملأى وتطفح برّاهبات عذارى، وجوههن مشعة فرحة، مرتديات لباسًا أبيض مضفّرًا بالذهب. كلّ شيء كان أبيض ذهبيًا. عصافير الجنة كانت تزقزق، والعبير السّماوي المنتشر في كلّ مكان يسكر الحواس وانهمرت الدموع -  دموع الفرح!!!.

     "أولئك العذارى كنّ يُنشدن: "مبارك هو ٱسم الرّب من الآن وإلى الأبد". وفي مرتبة أعلى، في الأعالي فوقنا كانت تصدح ترنيمة: "قدّوس، قدّوس، قدّوس، ربّ الصّباؤوت". عندها أدركت أنّ أخوات الدير الرّاقدات هن اللواتي كنّ يُنشدن مباركٌ هو ٱسم الرّب، وأما ترنيمة قدّوس قدّوس قدّوس فكانت ترتلها القوات السّماوية اللاهيولية، الملائكة ورؤساء الملائكة.

     "هكذا، حصل لي، أنا "مجدا البلهاء"، أحقر مخلوقات هذه الأرض، إذ رأيت وسمعت واستنشقت نور وفرح وجمال "ما لم ترَه عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال إنسان" -  أنّه موجود أو سيكون هكذا (1 كو 9:2)!

     "وإذ كانت "مجدا" منذهلة، سمعت ورأت عجائب لم يرَ أو يسمع بها أحد من قبل. كانت تستطيع البقاء هناك سنين عديدة ناظرةً ومستمرةً على هذا النّحو، ولم تكن لتلاحظ مرور الوقت، لأنّه لا وجود للعمر والزمن هناك. الكلّ في الأبدية. وكانت لتفعل ذلك، أقول لكن، لو لم تستدعِني أخوات ديرنا وأخذن يتحدثن إليّ. لكنهن استدعينني، ومجددًا تأملت وجوههن المشرقة أكثر من الشمس والأعذب من العسل. أصواتهن، كلماتهن، ترنيماتهن، رقصهن -  أكثر النّاس معرفة على الأرض لم يكن ليستطيع وصف أو تصوير كلّ هذه المشاهد، فكم بالحري "مجدا" الفقيرة!!

     "استدعينني، ثم استهلت إحداهن الحديث معي، كما لو كنّ كلّهن يتكلمن بفمها اللطيف: "أيّتها الأخت "مجدا"، لقد منحك الرّب الإله في هذه الليلة من خلالنا الجواب على سؤالك، هذا السؤال الّذي طرحته آلاف المرات في الليل عند قبورنا. لقد أردتِ معرفة ما آلت إليه أجسادنا وما آلت إليه أرواحنا. ووالدة الإله العزيزة/الحبيبة، الّتي كُرّس لها ديرنا، استعطفت السّيّد يسوع المسيح الحنون، ابنها وإلهها، ليكشف لك الجواب ويظهره من خلالنا.

     "هياكلنا العظمية، الّتي عاينتها على الأرض والّتي أرعبتك، هي ما تبقى من أجسادنا. الدم واللحم والماء كلّه انحلّ في تراب الأرض. أما العظام فهي تدوم لوقت أطول، لأنّها ترمز إلى عقائد الحق، ومن الحق يأتي كلّ شيء جيّد.

     "ولكن، هنا، أنت تنظرين أرواحنا فقط في أجساد وهمية وجمال وهمي، هذه الأرواح الّتي ستلبس الجمال الحقيقي والأبدي في الدينونة الأخيرة، عندما سيقيم الرّبّ يسوع، الّذي أُعطي كلّ قوة في السّماء وعلى الأرض، أجسادنا ويسربل بها أرواحنا. وهذا السّربال هو أكثر بهاء مما علينا. والدة الإله المجيدة، الأكرم من الشاروبيم والأرفع مجدًا بغير قياس من السّرافيم، استعطفت ٱبنها أن يُعلن لك ذلك في اليوم عينه الّذي تذكر فيه الكنيسة قيامة القدّيس لعازر، صديق المسيح، الّذي جاهد إلى جانب والدة الإله على الأرض.

     "والّذي رأيته في هياكلنا العظمية تحت الكتّان الأبيض على شكل قنديل، والضوء الّذي تشاهدينه اليوم على صدورنا والّذي ينير كلّ كياننا، هو نور قلوبنا، الّتي حفظنا فيها نور حق وحبّ المسيح عندما كنّا على الأرض. والّذي قرأته في كتاب الله المقدّس عن المصابيح السّبعة أمام العرش (رؤيا 5:4)، هي الفضائل المسيحية السبعة الرئيسية، الّتي يضرمها الرّوح القدس والّتي تتلألأ أمام الرّب الإله.

     "إذهبي الآن، أيتها الأخت "مجدا"، واشكرى الله الّذي احتسبك بين كلّ بني البشر أهلاً لتعايني ما عاينته، حقيقة الله المقدسة – الّتي لا تتغيّر ولا تستحيل. وقولي لأخواتك أن ينتبهن لقلوبهن الّتي هي كالمصابيح في أجسادهن وأرواحهن، وليملأنها بزيت الفضائل ويضئنها بالرّوح القدس الإلهي، حتّى نكون سوية في هذا العالم السمّاوي، هنا في فردوس الله، حيث الفرح الأبدي لمن أحبّ الرّبّ يسوع المسيح في حياته في الجسد وعَبَرَ من الحياة الأرضية إلى هذه الحياة بالإيمان والرّجاء فيه وحده. لربنا المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين. مبارك هو اسم الرّب من الآن وإلى الأبد."

     "الآن علمتن رؤية "“مجدا البلهاء" يا أخواتي ذوات القلوب الذهبية. لا تقلن أنّه مجرد حلم أو خيال. لأنّه إن كانت هذه الرؤية حلمًا، إذن كلّ حياتي كان حلمًا، وحلمًا باهتًا أكثر من هذه الرؤية. لأنّي لم أختبر قط أو أشهد في حياتي شيئًا أنقى وحقيقيًا أكثر من الّذي سردته لكنّ. وإذا احتسبتن ما قد سردته لكن مضرًا، إدفنّه في الأرض. ولكن إذا ٱعتبرتنّه نافعًا، أَنزلن بركتكن على روحي واذكرنني، أنا أختكن المسنّة، "مجدا البلهاء"، في صلواتكن، يا أخواتي ذوات القلوب الذهبية.!"

     فيما بعد، بعد أن أخبرتهن "مجدا" عن رؤيتها العجيبة، أصبحت هذه الرّاهبة المسنّة أكثر صفاءً وأُنسًا. واعتادت أن تخبر كلّ أخت على حدة رؤياها، ساردةً ومكررة إيّاها. لكنْ، في ذلك الخريف، تفاقم مرضها ورقدت في الرّب. بكى كلّ الأخوات على "مجدا" العزيزة والمسنة كما لو كانت أمّهن. وعلى مدى سنوات، أخبرت الأخوات وأعادت سرد قصة هذه الرّاهبة، وحياتها العجيبة، وصلاحها ورؤيتها. ألا منح الله روحها الصّالحة مكانًا في ربوع فردوسه. آمين.


المرجع:

Saints Velimirovitch, Nicolai & Popovitch, Justin (1989)  The Struggle for faith. The Serbian Orthodox Diocese of the United States of America and Canada.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share