<
فقط في الكنيسة بإمكاننا أن نرتشف الماء الزلال الذي يجري من الجنب المطعون للمسيح ليعطي حياة أبدية. كل التعاليم الأخرى إن هي سوى آبار مشقّقة لا تضبط ماء.(القدّيس إيريناوس أسقف ليون).لا تحاربنا الشّياطين، إلاّ عندما نتمّم ميولنا الرّديئة، الّتي هي بالحقيقة شياطيننا الّتي تحاربنا فنهزم أمامها برضانا.(القدّيس بيمن).نعمة التّوبة الفاعلة في المجاهدين هي صفقة إلهيّة وتبادل؛ نعطي فيه ترابًا ونأخذ سماءً.(الشّيخ يوسف الهدوئي).إنّ الاتّحاد الدّائم بالهّ مصدرِ الحبّ لا يمكن أن يبقى غير ملحوظ. لأنّه عندما يخترق الحبُّ الإلهيُّ القلبَ يوقظ فيه قوّة لم تسمع بها أذن من قبل، وإنّما تحسّ بها، فقط، قلوب محبّي الله .(الأم كاترين أفيموفسكي).إن أردتَ الخير لولدك، أقول لك ماذا تفعل: "إصنع لولدكَ لباسًا، واصنع لباسًا آخر لولد فقير. فلأجل ذاك الولد الفقير يُفَرِّحُ الله حياة ولدك". (القدّيس قوزما الإيتولي).
أنشودة من مريم المصريّة

       الصّومُ معَ الصّلاة هما المدخلُ إلى الملكوت!! عظيمةٌ ومبارَكَةٌ فضيلةُ الصّوم فالحربُ الّتي يشنُّها الشّيطانُ على الصّائم هي حربٌ رائعةٌ مملوءَةٌ منَ الحَثّ على الجهاد وعلى الثّبات وعلى توسيع نفس الخائر وإذكاء حسّ فكره ليقومَ إلى ربّه صارخًا له:
     "ربّي ارحمني، أنا الخاطئَ". تعالَ أسرعْ، يا إلهي، إلى معونتي فإنّي أكادُ أهوي في دياجير وظلمات العتمات البرّانيّة!!. لا تدعْني أفقدُ رؤيةَ نور وجهكَ وابتعدُ عن حسّ وجودكَ معي في قلبي وروحي وكياني كلّه. إنّي أستعذبُ حضرَتَكَ يا سيّدي، فلا تحرمْني من لذائذ روحي... جسدي طَوَّعْتَهُ أنتَ فيَّ بكلمتكَ، بتعاليم الآباء، بالصّلوات الّتي رتّبَتْها كنيستُكَ المقدَّسَةُ، بالأنين المحيي، بالحزن البهيّ، الّذي يمتلكُني كلّما صَحَتْ نفسي من عتمات ليلها وأرق نهارها.... نقّني يا إلهي من أدراني الخفيّة، الّتي أراها والّتي لا أستطيعُ رَصْدَها ورؤيتَها لكثرتها. أَعتقْني من صنوف التّجارب الّتي أستحليها في صراع نفسي مع إنسانيَ العتيق وتفلُّت شجب ذهني كما فيَّ.

       أنتَ صُمتَ يا ربّي وأنت الإله، لتعلّمَني كيفَ أحيا بإزائكَ صائمًا أنا الخاطئَ!!

       أنتَ صمتَ لتعلّمَني كيفَ أصومُ عن نفسي لكَ، ولأحبّائي، لحياةٍ أبديّةٍ.

       قٌلْ لي كيفَ وماذا عليّ أن أفعلَ حتّى تُعتقَني من رذائل فكري ونفسي والجسد!.

       وحملَ آدمُ لعنةَ سقوطه من اليوم الّذي فقدَ فيه حبّه لإلهه وسقطَ عن الطّاعة لهُ.

       من ذلك اليوم، من يوم طرد آدمَ من فردوس نعيم الحبّ الإلهيّ، يبقى هو وحوّاءُ مطروحَيْن في بحار هذا العمر المائت، خائرَيْن منَ الرّكض، للرّجوع إلى حضن الفرح والنّور الّذي ابتعدا عنهُ. لذلك أوقعَ الرّبّ عليهم سُباتَ الرّوح والنّفس والحسّ، ليحييهم هو بكلمته، وبنور قيامته.

       هكذا أمضَت القدّيسةُ مريمُ المصريّةُ سنوات توبتها الّتي عاشتْها في الشَبق والفسق والزّنى في العالم في صحراء الأردنّ الّتي أطلَقَتْها إليها روحُ الرّبّ لتَخلُصَ وتُصبحَ معلّمَةُ الفجور، سيّدةَ العفَّة وقدّيسةَ التُّقى بامتيازٍ في كنيستنا.

       أخلَتْ نفسَها آخذَةً صورةَ البرّيَّة وانطلَقَتْ إليها، صائمَةً مُصلّيَةً تائبةً عن نفسها، معَ الوحوش فصارَتْ صديقتَهم وبعدَ أن تطهّرت، لم يعُدْ يؤذيها لا أسدٌ ولا نمرٌ ولا حيّةٌ ولا عقربٌ. بل بقيَتْ في صراعٍ معَ شيطان نفسها العمرَ الّذي عاشَتْهُ في الزّنى،  قبلَ أن تتنزّل عليها الإنعاماتُ الإلهيّةُ ويعلّمَها الرّوحُ القدسُ الصّلاةَ.

       لا نخافنّ، من احتيالات العدوّ فالشّيطانُ الّذي لم يستبعدْ فخاخَ أكاذيبه عن ربّنا ومخلّصنا نفسه، ألن يجرؤَ علينا نحنُ جبلَّتَهُ الضّعيفةَ؟! وهو يطاردُ وسيطاردُ بحقدٍ أشدّ عنفًا وحسدٍ أكثرَ شراسةً، كلَّ التّائبينَ إلى الرّبّ بأمانةٍ وصدقٍ واتّضاعٍ. لا نخافنَ ولا تضطربْ نفوسُنا كما قالَ لنا الرّبّ لأنّنا بحبّنا لإلهنا وبمعموديّتنا وبقهرنا لذواتنا، خلَعْنا إنسانَنا العتيقَ وصرنا لابسينَ جسدَ المجد ونحنُ في جسد الخطيئة!!!.

       الإنسانُ المؤمنُ يخلُصُ منَ التّجارب الهاجمة عليه منَ العدوّ بفضل طاعته لله!!. فلْنتقبّل التّجاربَ بفرحٍ وننتظرْها لأنّها علامةٌ على مساواة الرّبّ لنا بنفسه، فإذا باغتَتْنا التّجربةُ، فلا نعتبْ أو نَلُمْ مَن وافَتْ إلينا التّجربةُ بسببه، بل دعونا نبحث عن الهدف من قدومها إلينا كي نستفيدَ منها. فهي تأتي لتنمّيَ عضلات قلبنا في الجهاد، ونفسنا في الاتّضاع، وكياننا في الامّحاء، أمامَ كلّ الّذينَ حولَنا للتّقديس، وأمامَ ربّنا ومخلّصنا يسوعَ المسيح لنتعلَّمَ حبّه وتطبيقَ وصاياهُ، للدّخول في النّور، نوره الّذي لا يغرُبُ في قلوبنا ونحنُ في حَلَبَة صراع العمر بكماله، فلنسعَ إلى الصّعود معه إلى أورشليم والدّخول معه في آلامه الّتي تكبّدها لخلاصنا.

       هذه قطرةٌ من بحر توبتنا وحبّنا، فلْنسعَ إلى النّور عبرَ صليب تهاوننا ولْنصرُخْ إلى قدّيستنا مريمَ المصريّة: أَدرجينا في سُبُل الخلاص والتوبة بالجهاد والدّموع والصّوم والعري والجوع والصّلاة والحروب الّتي ٱجتزْتِها لنبلُغَ نحنُ أيضًا إلى الحياة الأبديّة بشفاعاتك... آمين.

الأم مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share