بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
السّجن الإنفراديّ.

كيف استطاع رجل أن يجد الحرّيّة داخل سجن شيوعيّ؟.
مقابلة لـ"جايمس م. كوشنير" مع "الأب رومان براغا".


   وُلدَ "الأب رومان براغا" في عائلة قرويّة في رومانيا عام ١٩٢٢. كانت العائلة تعيش بالقرب من أحد الأديار، الأمر الّذي كان له تأثير كبير على طفولة الأب رومان. التحق بالمدرسة اللّاهوتيّة وهو في سنّ ١٢. بعد أن انتهى من المعهد عام ١٩٤٣، درس في المدرسة العسكريّة لغاية العام ١٩٤٥. وعندما انتهت الحرب العالميّة الثّانية، انتقل إلى "بوخاريست"، حيث أكمل علومه اللّاهوتيّة. اعتقله الشّيوعيّون عام ١٩٤٨ وسجنوه لمدة خمس سنوات. اعتُقل ثانية عام ١٩٥٨ وأُطلق سراحه عام ١٩٦٤حين رُسِمَ كاهنًا. عام ١٩٦٨، جرى نفيه إلى البرازيل، ومن هناك، انتقل، أخيرًا، إلى الولايات المتحدة الأميركيّة عام ١٩٧٢. لكنّ الولوج إلى الحريّة، بالنّسبة لـ"رومان براغا"، حصل داخل السّجن الشّيوعيّ. في كانون الأوّل ٢٠١١، قام "جايمس كوشنير"، مسؤول التّحرير في مجلّة "سالفو"، بمقابلة الأب رومان وجرى له معه هذا الحوار:


   سؤال: كم دامت إقامتك في السّجن؟. وما أسباب ذلك؟.

   عانيت إحدى عشرة سنة في السّجون الشّيوعيّة. وضعوني في السّجن لأنّي كنت مدرِّسًا، أُعلّم الدّين واللّغة الرّومانيّة للصّفوف الثّانويّة. عندما استلم النّظام الشّيوعي الحكم في البلاد، فرض على كلّ المدرّسين أن يفسّروا الأمور من وجهة نظر "ماركسيّة" مادية. لكنّي لم أشأ أن أكذب على تلاميذي. لم أكن لوحدي، كان هناك آلاف من المسيحيّين والمثقّفين في رومانيا ينطقون بالحقيقة إن سئلوا...

   أردنا أن نعلّم الشّباب أن يكونوا كما خلقهم الله، وأن يعرفوا هويّتهم لأنّ الشّخصية الإنسانيّة عطية من الله. كلّ شخص فريد من نوعه. لم يخلقِ الله أبدًا نماذج مصنّفة، مثل ألواح الصّابون المسبوكة الواحدة كالأخرى في المعمل، النّازلة على الشّريط المتحرّك. قد يبدو لك أنّي أبالغ، لأنّي جئت من نظام شيوعيّ حيث الأفراد هم مجرّد أرقام، مثل الحجارة في المبنى، حيثُ كلُّ الأحجار متشابهة، لا ميزة خاصّة، لكلّ منها.



   سؤال: ماذا فعلوا بك لأنّكَ علّمت أفكارًا ضدّ الماركسيّة؟.

   عملتُ خمس سنوات في مخيّم للأشغال عند قناة البحر الأسود.  كنّا نحفره بأيدينا – لأنّ النّظام الشّيوعيّ يريد أن يلغي الطّبقة المثقفة بالعملِ اليدويِّ و"الرّفش". رغبوا تحطيم جيلي. لكن ذلك لم يتحقق. كنت شابًا وكنت أرغب في أن أبقى حيًّا.

   بعد خمس سنوات، لمّا أتممت عقوبتي، تمّ إطلاق سراحي. لم يسمحوا لي، آنذاك، بأن أعود إلى التّعليم. لأنّك إذا دخلتَ كمعلِّمٍ مرّةً إلى السّجن – أي كلّ الأساتذة والمعلّمين – فلا يعود يحقّ لهم أن يعودوا إلى التّدريس. فالحكم الشّيوعي رغب في تثقيف الأجيال النّاشئة بحسب مناهجهم وفكرهم الخاصّ، مستعملين كتبهم. لذلك لم يريدوني أن أعلّم.


   سؤال: كيف، إذًا، عُدتَ مجدّدًا إلى التّعليم؟.

   أوّلاً، صرتُ راهبًا، لأنّي وجدتُ في السّجن أبًا روحيًا جيّدًا، راهبًا بسيطًا، كان رئيسًا لدير في الجبال. كان بسيطًا للغاية، لكنّه كان يعرف "السّلّم إلى الله" للقدّيس يوحنّا السّلّمي عن ظهر قلب، وآباء قدّيسين آخرين؛ فالرّهبان البسطاء – كم هم عميقون!... وهم شديدو البساطة لأنّ الحقيقة بسيطة جدًا. ولأنّهم غير مثّقفين كثيرًا، فهُم على عمقٍ في فهمهم. نحن نعقّد الأمور لأنّنا نعرف أشياء كثيرة، وتختلط علينا الأمور!.

   تأثّرتُ كثيرًا بهذا الرّاهب البسيط، وتقرّبتُ منه وتعلّمتُ منه في السّجن، إذ كنتُ مؤمنًا قبل دخولي إليه؛ لكنّ لقائي به كان بمثابة يقظة روحيّة جدّدَتْني. لذلك عندما خرجتُ من السّجن، ذهبتُ إلى الدّير مباشرةً.

   عندها بدأتُ أُعطي الشّباب والأولاد  دروسًا خاصّة. صرتُ شمّاسًا، ووجدتُ متروبوليتًا، أخذني معه إلى كاتدرائيته في "جاسّي"، وهي مدينة جامعيّة. كان الطّلاب يخافون ويأتون إلى الكنيسة متنكّرين. لكنّهم كانوا يأتون وأنا كنت أعلّمهم. راقبتني الحكومة لمدة خمس سنوات قبل أن تُلقي القبض علي مرّة ثانية، وتحكم عليّ بثماني عشرة سنة في السّجن.


   سؤال: هل كانت هذه هي المرّة الّتي وضعوك فيها في السّجن الانفراديّ؟. كيف تمكنتَ من البقاء حيًّا؟.

   نعم، لمدّة ستة أشهرٍ. وجدتُ الخلاص في السّجن فعلاً، بطريقة خاصّة بالكهنة والمؤمنين بالرّبّ، أمرٌ لا تستطيع الشّيوعيّة أن تتحكّم به... ولا أحد يستطيع أن يتحكّم به.

   وُضِعَ المثقّفون في السّجن الإنفراديّ لمدة ستة أشهر أو سنة. تصوّر زنزانة صغيرةً، لا شيءَ فيها، ولا حتّى نافذة لتنظر إلى الطّبيعة في الخارج، لأنّها عالية، ولا يمكنك الوصول إليها. أنت في الدّاخل فقط. ولا كتب لديك. هذه كانت الطّريقة الفُضلى للنّظام الشّيوعيّ.

   كانوا يؤمّنون الكتب والأقلام للسّجناء العاديّين، للسّرّاق، ولكن ليس للمثقّفين وللسّجناء السّياسيّين. ولمدة إحدى عشرة سنة في السّجن، لم أرَ قلمًا!. لم أرَ جزءًا من ورقة!. أرادوا أن يجعلونا وحوشًا، حيوانات تفترسُ بعضَها البعض. لكنّهم كانوا ساذجين. كان هذا الأسلوب بالحقيقة فاشلاً، لأنّنا كلَّنا أصبحنا "أنفسنا"، من دون كتبٍ.

   لا وقتَ لديك خارج السّجن لأن تكون أنت "نفسَك"، لأنّنا نقرأ الكثير من الكتب. نكون منشغلين لدرجة أنّه لا وقتَ لدينا لأن يُسائلَ كلٌّ نفسَه: "من أنا؟!"، أو لأن نجلس ونسأل أنفسنا: "لماذا خلقني الله؟!". نحن دائمًا نجمع المعلومات والآراء، ونضعها في رأسنا كما في مصرفٍ. لكنّنا لا نجد الوقت كي نفتّش عن أنفسنا.

   في السّجن الإنفراديّ عليك أن تذهب إلى مكانٍ ما!. ليس هناك أفق خارج نفسك، لذلك عليك  الدّخول إلى الدّاخل. عندها تكتشف من أنت!... هذه هي الثّورة الّتي حَصَلَت، هذا هو الانقلاب الّذي تحقّق لنا في السّجن. ضحكوا عليّ مرارًا عندما كنتُ أقول: "بارَكَ الله الشّيوعيّين!" – لأنّهم وضعوا المثقّفين في السّجن. ومن كانوا مثقّفين جدًا – ومؤمنين بالرّبّ – اكتشفوا بأنفسهم أنّ "الحريّة الحقّ هي في الدّاخل"، داخلِ الإنسان، وليست من الخارج. في السّجن الإنفراديّ اكتشفت الشّركة مع الله، مع المسيح، من الدّاخل بالصّلاة والتّحدّث مع الله: حرّية حقّ. لم تستطع الشّيوعيّة أن تتحكّم بهذا الأمر أو بهذه الظّاهرة!.


   سؤال: لا يفاجئني أن يضحك النّاس عليك – فالّذي تقوله يتجاوز كلّ التّوقّعات.

   سألني صحفيٌّ هنا في "جاكسون" (ميشيغين) عن المسيحيّين في رومانيا ممن عاشوا تحت ظلِّ النّير الشّيوعيّ. لم يصدّق كلّ ما قلته له. قال إنّي أنا و"سولجنيتسين"* لدينا مخيّلة واسعة. أجبته: "أنا سعيد لأنّك لم تصدّق كلامي، لأنّ هذا يدلّ على أنّك عاديّ. ونحن لسنا كذلك. أنت عاديّ: لأنّكَ أنت وُلدتَ في الحريّة، وتجهل الشّعور بأنّك لكي تسمع إذاعة الـ"ب ب س" (BBC)، عليكَ في منزلك أن تغلق كلّ الأبواب لتتأكّد من أنّ ما من أحد يسمعك. تجهل ما هو الخوف. إذا شئت أن تختبر الخوف في أميركا، فإنّكَ تذهب إلى السّينما وتشاهد فيلمًا مرعبًا. لذلك أنت إنسان عاديّ"... أما نحن فقد مررنا بالجحيم. لكنّ الله شاء أن تكون لنا هذه الخبرة المهمّة وأن نعبرَ هذه التّجربة...

   هذه الخبرة كانت لها تداعيّات إيجابيّة على النّاس الرّوحانيّين، لأنّهم أُجبروا على معرفة أنفسهم، على أن يسألوا أنفسهم من هم وأن يكتشفوا كونهم الدّاخليّ. هنا، في أميركا، في السّجن الإنفراديّ، يُصاب المرء بالجنون. لا يمكنك هنا أن تقول لشابٍ "اجلس هنا على هذا الكرسيّ أو المقعد"... لأنّه سيقول لك: "وماذا أفعل هنا؟"... "لا شيء، فقط اجلس وامكث هنا لمدّة ساعتَين"... وهو لا يستطيع أن يقوم بذلك.


   سؤال: لكنّكَ لم تقضِ ال ١٨ سنة الّتي حُكمتَ بها؟.

   عام ١٩٦٤، كانت الحكومة في رومانيا تريد أن تنفتح على الغرب لتنال المساعدات منهم، لذلك كان عليهم أن يرضخوا لبعض شروطهم. إحدى هذه الشّروط كانت تحرير كلّ السّجناء السّياسيّين. لذلك صدر عفو عام عن كلّ السّجناء السّياسيّين في تلك السّنة، وتمّ إطلاقُ سراحي للمرّة الثّانية بعد ستِّ سنوات.


   سؤال: ماذا فعلت عندها؟.

   رُسمتُ كاهنًا عام ١٩٦٤. أرسلوني إلى قريةٍ صغيرة لعمّال المناجم، حيث كانت تُوجد مدرسة للتّعليم الثّانويّ. كان عمّال المناجم يؤمنون بالله. ولم يستطع الشّيوعيّون منعَ هؤلاء العمّال من رسم إشارة الصّليب عند دخولهم حفرة المنجم. كنتُ أسألهم: "لماذا لا تُحضِرون أولادكم إلى الكنيسة؟".

   في رومانيا، أثناء الحكم الشّيوعيّ، لم يكن بإمكانك أن تضع صليبًا حول عنق طفلك، لأنّ الأطفال ليسوا لوالديهم. كان الأولاد ملكًا للدّولة. وكان خطرًا للغاية أن يعطي الأهل أولادهم أي تعليم دينيّ. لكنّ الأولاد كانوا يأتون إلى الكنيسة مع ذويهم. نَظَّمتُ جوقًا جميلاً من الأولاد، وكانت فتاة من المدرسة الثّانويّة تديرها. كنتُ أعْلَمُ أنّي لن أُزجَّ في السّجن بعد اليوم. لذلك عقدتُ العزمَ على إتمام بعض الأمور. وبقيت هناك ثلاث سنوات.

   ولأنّي كنتُ كاهنًا عازبًا وراهبًا، كانت أختي، الأم "بنديكتا" معي تهتمّ بأمري. ذات ليلة، قَطَعَت الشّرطة السّريّة خط الهاتف، وعزلتنا. دخلوا علينا عنوةً وقالوا لنا: " لا تتحرّكوا، ابقوا على كراسيكم. نحن سنوضّب كلّ شيء". فوضّبوا كلّ ما كان بحوزتنا، ووضعونا في شاحنة نقل، وساروا بنا ثلاثين ميلاً. وعند السّاعة الثّانية صباحًا، غادر الشّرطيُّ الشّاحنة. فقال لنا السّائق: "الآن أستطيع أن أقول لكم أين أنتما ذاهبان". كانوا قد نقلونا إلى قرية فقيرة جدًا، وكانت أختي تبكي. قلتُ لها: "لا تبكي، لن يضعونا في السّجن". كنتُ مدركًا للأوضاع وماذا يفعلون.


   سؤال: ذهبتَ من السّجن إلى منطقة لعمّال المناجم ومن هناك إلى قرية فقيرة – ماذا بعد ذلك؟.

   كانت في القرية كنيسة غير مكتملة، إذ كانت الرّعية تقطن في الجبال بعيدًا، ولم تكن الطّرق معبّدة، ولا من سوّاح يزورون ولم يكن بإمكاننا أن نُكمِل بناء الكنيسة. لكنّي التقيتُ مهندسًا في مزرعة جماعيّة لأنّه لم يكن يحقّ للمزارعين أن تكون لديهم مزارعهم الخاصّة. كلّ شيء كان مِلكًا عامًا و ضمن المزارع المشتركة... وكان ذاك المهندس يونانيًّا، نشأ في رومانيا. هذا جاء إليها مع عائلته هربًا من اليونان عندما كانت البلادُ شيوعيّة. وكان هؤلاء الأولاد اليونانيّون يؤمنون بالله. الأرثوذكسيّة كانت تسري في عروقهم. لذلك قال لي هذا المهندس: "أيّها الأب، أنصتْ إليّ. تريد أن تُنهي بناء الكنيسة. حسنًا!... سأختفي من المزرعة من ليلة الجمعة لغاية صباح الثّلاثاء. وأنت امكث في الكنيسة. وسيأتي النّاس ليساعدوك، سيكون هناك جرّارات وقاطرات وكلّ ما أنت بحاجة إليه – فافعل ما تشاء فعله!".

   على هذا النّحو أنهيت الكنيسة بمساعدة هؤلاء القوم. عملنا يوم السّبت حتّى السّاعة العاشرة مساءً، وأقمنا القدّاس الإلهيّ في اليوم التّالي، عند السّاعة العاشرة صباحًا. وعندما رأى الرّسميّون ما حصل، احتاروا بأمري، لكنّهم لم يقولوا لي شيئًا. كانوا يراقبون فقط. كنتُ أعْلَم أنّهم يراقبونني، لأنّه عندما تكتسبُ خبرةً مع رجال الأمن، تُدركَ ذلك بكلّ بساطة.

   ومن جديد، في ليلةٍ من ليالي عام ١٩٦٨، جاءت الشّرطة السّريّة، وكانت الأمّ "بنديكتا" معي، وأعطوني جوازَ سفرٍ إلى البرازيل!. قالوا: "بطريركُكَ يُرسلُكَ إلى هناك"!. وعندما كلّمتُ البطريرك في "بوخاريست"، قال لي: "ليس لدينا أيّة إرساليّة في البرازيل، خاصّةً في "غوانيا"، وعليك بالذّهاب إلى حيث يبعثون بك".


   سؤال: هكذا غادرتَ الشّيوعيّة إلى البرازيل.

   الحقيقة أنّني أُبعدْتُ إلى "غوانيا"، وهي مدينة صغيرة للهنود، عاصمة ولاية "غوياز". كنت متحمّسًا للذّهاب إلى البرازيل، لأنّ الشّعب هناك طيّب... والله في كلّ مكان!. بعد سنة، جاء المطران "إغناطيوس الفرزلي" من "سان باولو". نظر إليّ، وقال لي: "تعالَ معي إلى سان باولو". هناك وضعني في رعيّةٍ. وبعد ستة أشهر، وجدتني أتكلّم اللّغة البرتغاليّة، لأنّها شبيهة باللغة الرّومانيّة. كان الأمر سهلاً عليّ.


   سؤال: كيف انتهى بك المطاف في الولايات المتّحدة؟.

   عرف بأمري رئيس الأساقفة "فاليريان تريفا" في "ديترويت"، لأنّي نشرتُ عدّة مقالات في الجرائد الرّومانيّة في الولايات المتحدة عن العلاقة بين الدّولة والكنيسة في الوسط الشّيوعيّ.

   لذلك، عام ١٩٧٢، جئتُ إلى الأبرشيّة الرّومانيّة في "غراس ليك" (Grass Lake) في "ميشيغين"، من ضواحي "جاكسون". قال لي رئيس الأساقفة: "لن أطلب منك أيّ عملٍ لمدّة سنة، ولكن بعد ذلك يجب أن يكون بإمكانك إلقاء عظةٍ باللّغة الانكليزيّة!". وفّر لي كلّ الموارد السّمعيّة لأتعلّم اللّغة. وطبعًا، بعد مرور سنة، صار باستطاعتي أن أتواصل مع النّاس. عملتُ في "غراس ليك" سبع سنوات في مركز الأبحاث الخاصّة بالحياة الرّومانيّة في أميركا. عملتُ أيضًا في مجال التّعليم في المخيّمات الثّقافية للأولاد. كما تعلّمتُ اللّغة الانكليزيّة من الأولاد. إنّهم أساتذة ممتازون لتعليم اللّغة!. يطرحون الكثير من الأسئلة وعليك أن تجيبهم!...


   سؤال: أمضيتَ قسمًا كبيرًا من حياتك الرّاشدة،من منتصف العشرين إلى منتصف الأربعين في ظلِّ الحكم الشّيوعيّ، أو كما نقول اليوم "وراء السّتار الحديديّ". ماذا باستطاعتك أن تقول لنا عن الشّيوعيّة الآن؟.

   الشّيوعيّة هي ديانة. هي حركة ميستيكيّة، باطنيّة. إنّها تقلب الدّيانة رأسًا على عقب. هناك كتاب اليوم عنوانه، "Towards the Middle Ages" (نحو العصور الوسطى) يقول الكاتب إنّ "الماركسيّة" هي الدّيانة بالمقلوب. والشّيوعيّة باطنيّة بمعنى أنّهم يفكّرون، ويؤمنون أن باستطاعتهم أن يغيّروا الإنسان، أنّ باستطاعتهم أن يبتدعوا أو يخلقوا شخصيّة شيوعيّة، وأن يبدّلوا بالكامل ماهيّة الإنسان. هذا مستحيل. ولهذا السّبب انتهى أمر الشّيوعيّة إلى الفشل!.

   أخشى أن تحلّ محلها أساليب أخرى الآن. أنت تعرف ماذا يجري في الاتّحاد الأوروبيّ. حتّى حكومات الدّول لم تعد لها أهميّة الآن. كلّ شيء متمركز في "بروكسيل". إنّهم يتحوّلون إلى واقع خطير جدّا، يؤمنون فيه أنّ "المجتمع" مهمّ، لكنّ المجتمع هو فكرة مجرّدة. لا أهميّة للفرد. هناك فقط مجتمع. في ما يُسمّى بالـ"عولمة"، لن يكون للمرء أي شيء يقوم به سوى أن يكون مثل حجرٍ في مبنى!. وهذا مرعب!.

   هناك مزمور يقول: "أنت يا رب صوّرت كليتيّ ". "مارتن بوبر"، الحاخام والعالم المبرِّز، كتب: "إنّ الله لا يُكرّر نفسه أبدًا في الخلق"!. كان "بوبر" يتكلّم عن انتحار الشّباب ولا يدركون أنّه عندما ينتحر أحدهم فإنّه يفرغُ مكانٌ في الكون، لأنّ الإنسان فريد من نوعه. يؤكّد "بوبر" فكرة أنّ كلّ فرد فريد... كلّ واحد كون في ذاته!. علاقتي بالله مختلفة تمامًا عن علاقتك بالله... هذا هو ابداع الخلق، والمجتمع، والشّخص الأقنوم.

   وينتابني الخوف بخاصة، لأنّ هناك ثورة جديدة في علم الجينات!. يريدون خلق أشخاص اصطناعيّين. وكما نشرتَ في مجلّة "سالفو"، يريدون خلق جنسٍ جديدٍ مُبيّنين بذلك أنّ التّطوّر (بحسب داروين) مستمرّ!. يريدون أن يجمعوا ذهنًا إلكترونيًّا إلى ذهنٍ بيولوجيٍّ، لابتكار شيءٍ فائف الطّبيعة، ولن يتوقّفوا. علم الجينات شيءٌ مذهل، ولكنّه، أيضًا، علم خطير، عندما يُستعمل لتدمير الشّخصيّة البشريّة. نظنّ أنّنا أحرار، من دون الله، ولكن من دونه، نحن نبتكر أمورًا ستدمّرنا.


   سؤال: هل سيزداد هذا الخطر في المجتمع، فيتحوّل النّاس، بالأكثر، إلى الإلحاد؟.

   هناك قلّة قليلة من الملحدين الحقيقيّين. ثمّة توق في روحنا إلى الله. نحن نبحث عنه. لأنّنا خسرنا الفردوس، هناك حنين إلى الفردوس. الله يجتذبنا مثل المغنطيس. يعكس صورته في قلب كلّ إنسان بطريقةٍ معيّنة، وعلينا أن نتبّع هذه الطّريقة. لسنا أناسًا آليّين مِلكًا للدّولة، تمّ ابتكارنا كي نتحرّك إلى اليمين أو إلى اليسار بحسب الطّلب. الله هو النّموذج ونحن أيقونته، صورة عنه. والصّورة تتوق إلى بلوغِ النّموذج. النّموّ بالله ومعرفته أمر لا حدّ له.

   قد يقول أحدهم: "أنا ملحد، ولكنّي ما زلت أبحث". عمّا يبحث؟. عن الحقيقة؟. ما هي الحقيقة؟. لا أحد يعرف كلّ الحقيقة. ولكنّ واحدًا قال: "أنا هو الحقّ!". المسيح يُظهر نفسه في قلب كلّ إنسان بطريقة معيّنة!!... هذا هو  منتهى الجمال في الكون، ولا توجد قوّة على الأرض باستطاعتها تحطيمه أو محوه!.

 

* ألكسندر سولجنيتسين (١٩١٨- ٢٠٠٨) أديب ومعارض روسي. أثناء الحكم الشّيوعيّ اعتُقل من ثمّ نُفي. ندّد بالنّظام من خلال كتاباته وتكلّم عن المعتقلات الّتي كانت تُعرف بـ"غولاغ" للعمل القسري.


المرجع:

James M. Kushiner, Solitary Refinement.

http://www.salvomag.com/new/articles/salvo26/solitary-refinement.php

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share