من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
خبرة شيطانيّة هدَتْه إلى الإيمان.
من حياة الأرشمندريت تيخن شيفكونوف.

   في أواخر السّبعينات من القرن الماضي، كان "الأرشمندريت تيخن شيفكونوف" ما زال شابًا في العشرينات من عمره يتعلّم فنّ التّصوير السّينمائيّ في الجامعة في موسكو. كان اسمه "جورجي" ولم يكن مؤمنًا. وكان هناك عددٌ من الأساتذة اللّامعين في المعهد الوطنيّ للسّينما يزودونه بثقافة متينة في الإنسانيّات وقد دفعوه لكي يفكّر مليًّا بمسائل الحياة. وكان يناقشُ زملاءه، دائمًا، في التّاريخ والمشاكل المعاصرة وتوصّل معهم إلى أنّ الدّولة السّوفياتيّة كانت تضللهم وتفرض عليهم تفسيراتها السّخيفة في التّاريخ والسّياسة. كما أدرك أنّ الدّولة كانت توظّف كلّ طاقاتها كي تزيل من نفوس البشر كلّ فرصة، ولو صغيرة، لتطارح الموضوعات بشأن الكنيسة والله. ورغم محاولات الأساتذة للإجابة عن كلّ تساؤلات الطّلاب في شؤون الحياة دون أن يتطرّقوا إلى الله وعمله، غير أنّ هؤلاء أيقنوا أنّ كلّ الدّارسين والفلاسفة والكتّاب المشهورين الّذين كانوا يجلّونهم أمثال "ديوستفسكي وكانت وبوشكين وغوتي وباسكال وهيغيل ولوسيف ونيوتون وبلانك وليناوس ومنديلييف" وغيرهم، كلّهم كانت لهم نظرة إيمانيّة مختلفة عن الّتي تشرّبوها هم في نشأتهم. في حين أنّ الّذين عملوا على تدمير الرّوسيا بثوراتهم في التّاريخ المعاصر أي "ماركس ولينين وتروتسكي" كانوا ملحدين. في تلك السّنوات لم تكن هناك نسخ من الإنجيل في المكتبات ولا حتّى في مكتبة الجامعة الضخمة. وكان السّؤال: هل هؤلاء المثقّفون الكبار هم أغبياء، أم نحن الأغبياء؟.

   في تلك الفترة، كانت محاضرة تاريخ الفنون الأجنبية، واسمها "باولا ديميتريفينا فلولكوفا"، تعلّمهم عن كاتب صينيّ في علم التّنجيم اسمه "أي شينغ" (I Ching). وقد أحضرت بخّورًا وأعشابًا إلى الصّف كي تعلّمهم كيف يرون المستقبلات!. وإنّ إحدى محاضراتها كانت عن كيميائيَّين روسيَّين "ديميتري منديلييف وفلاديمير فيرنادسكي". ورغم أنّها حذّرت التّلاميذ من الغوص في اختباراتهما إذ قد تكون لها نتائج غير متوقّعة ومؤذية، إلّا أنّهم لحماسهم الشّبابيّ، أنجرّوا إلى هذا العالم الميستيكيّ الغامض. وفي بحثهم، اختبروا أنّ بإمكانهم أن يقيموا نوعًا من التّواصل... لم يفهموا ما هو نوع هذا التّواصل، غير أنّه كان مع كائنات حقيقيّة!. هذه الكائنات الّتي تواصلوا معها ودخلوا وإيّاها في أحاديث ليليّة طويلة، عرّفت عن نفسها بأسماءٍ مختلفة: أحيانًا "نابوليون" وأحيانًا "سقراط"، وحتّى ادّعت أنّها أحد أجدادهم أو معارفهم الرّاقدين. وكانت هذه الكائنات تنقل لهم معلومات شيّقة. وما كان يثير الدّهش أنّها كانت تكشف لهم تفاصيل خاصّة عن حياة كلّ واحد منهم. مرّةً، جاء أحد هؤلاء الطّلاب إلى رفقته، وعيونه محمرّة من قلّة النّوم. وسألهم: "من هو ميخائيل غورباتشيف؟". كان العام ،١٩٨٢ ولم يكن أحد يعلم من هو "ميخائيل غورباتشيف". فسّر لهم صديقهم الأمر قائلاً إنّه ليلة البارحة سأل أحد هذه الكائنات، وكان يُدعى "ستالين"، عن الرّجل الّذي سيحكم البلاد، فأجابه أنّ اسمه "ميخائيل غورباتشيف". وكان هذا الأخير غير معروفٍ البتّة في تلك الفترة. وبعد ثلاثة أشهر من هذا الحدث، فوجئ الجميع إذ سمعوا باسمه كمرشّحٍ لعضوية المجلس السّياسيّ للحزب.

الأب تيخن مع أبيه الرّوحيّ "الأب يوحنّا".
   غير أنّ "جورجي" وأصدقاءه كانوا كلّما استغرقوا في هذه الخبرات كلّما استبان لهم أنّ شيئًا مخيفًا مقلقًا يحدث لهم. فقد استحوذ عليهم الحزن واليأس وانتابهم شعورٌ بعدم الجدوى، كأنّ حياتهم تُسلب منهم. لم تعد لديهم أيّة طاقة، واستأثر بهم قنوطٌ عظيم. وكان هذا الشّعور ينمو بمرور الأيّام، حتّى أحسّوا أنّ اتصالهم بهؤلاء الكائنات ربّما كان السّبب. وقد علم "جورجي" من صديقٍ معمدانيٍّ له أنّ هذه الخبرات لم تكن فقط ممنوعة في الكنيسة بل ملعونة من الله أيضًا.

   غير أنّهم لم يقرّوا لأنفسهم بأنّهم كانوا يتّصلون بأرواحٍ شرّيرة وأنّ هذه الأرواح قد اجتاحت حياتهم الجامعيّة الفرحة الّتي كانت بلا همّ، والأخطر من ذلك أنّهم لم يدركوا كم كانوا عزّلاً بإزائها.

   ثمّ، ذات ليلة، كان "جورجي" نائمًا في غرفة أحد أصدقائه في المهجع مع آخرين، وكانوا قد تعاهدوا أن لا يتعاطوا هذه الخبرات بعد اليوم، غير أنّهم لم يتمكّنوا من أن يمتنعوا عنها بالكليّة. وهذه المرّة حاول صديق له أن يكمل حديثًا كان له مع روح "غوغول" (الكاتب الرّوسيّ الّذي من القرن التّاسع عشر). كانت للرّوح لغة بليغة وكان يستعمل ألفاظًا منمقّة تعود بالفعل إلى القرن الماضي. ولكن، هذه المرّة، لم يجبهم على أيّ من أسئلتهم بل كان يتململ ويئنّ ويبكي ويشكو أنّ قلبه انفطر وأنّ الوجع لا يُحتمل!. فسأله صديق "جورجي": "ماذا بك؟".

   - ساعدني!... ساعدني!... ساعدني فإنّي أتألّم... الأمر لا يحتمل!... أتوسّل إليك أن تساعدني!.

   طبعًا، كلّهم كان يجلُّ عمل "نيقولاي فاسلييفيتش غوغول"، وكانوا متأكّدين أنّهم يتكلّمون مباشرةً معه. سألوه: "كيف بإمكاننا مساعدتك؟"، وهم راغبون فعلاً مساعدة كاتبهم المحبوب!.

   - ساعدوني!.... ساعدوني!... أتوسّل إليكم!... لا تتركوني!... النّار مخيفة، اللهب والكبريت والألم!... آه، إنّ العذاب لا يُحتمل!... ساعدوني!... ساعدوني!"...

   فأجابوه بحماس: "نحن نشاء مساعدتك، بأيّة طريقة كانت!... ولكن ماذا يمكننا أن نفعل وأنت في عالم آخر؟"...

   فخفّف الرّوح من وتيرته وقال بحذرٍ: "آه يا أولادي الأعزّاء، إذا شئتم بحقٍّ أن تُشفقوا عليّ أنا المتألّم..."

   - طبعًا نشاء ذلك!... فقط قُل لنا ماذا علينا أن نفعل!".

   - حسنًا إذا كنتم مستعدّين للمساعدة، إذًا... سأعطيكم بعضًا من السّمِّ!".

   صُعقوا جميعًا إذ أدركوا قصده!. ارتعبوا، ونظروا إلى بعضهم البعض، وبانت وجوههم شاحبة بيضاء رغم ضوء الشّموع الخافت!. قاموا بسرعة عن كراسيهم وغادروا الغرفة. وعندما استجمع "جورجي" نفسه قال: "إنّه محقّ. فلكي نساعده، علينا أن نصير مثله، أي علينا أن نموت!". وقال آخر: "أنا أيضًا فهمت كلّ شيء إنّه يريدنا أن ننتحر!". وأضاف واحد: "إنّي متأكّد أنّي إن دخلت الغرفة مجددًا فإنّي سأجد حبوبًا على الطّاولة... وعندما أرى هذه الحبوب، سينتابني شعورٌ قوي في أن أتناولها أو ستكون لدي رغبةٌ جامحة في أن أرمي بنفسي من النّافذة. هذه الأرواح ستجبرنا على ذلك!".

   لم يستطع هؤلاء الشّبان النّوم في تلك اللّيلة. في اليوم التّالي، قصدوا كنيسة والدة الإله "تيخفين" إذ لم يعلموا ممن يطلبون المساعدة سوى من الإله... المخلّص... وإنّ المسيحيّين لكثرة استعمالهم هذه الكلمة كانوا أحيانًا يُضيّعون المعنى الحقيقي الأصيل للكلمة. غير أنّ هؤلاء الشّبان، في تلك اللّحظة المرعبة، كانت هذه أهمّ كلمة بالنّسبة لهم: المخلّص!. عرفوا يقينًا أن أرواحًا شرّيرة مجهولة تطاردهم وأنّ الإله المخلّص هو وحده القادر على تحريرهم منها!.

   خشي الشّبان أن يسخر منهم الكاهن إذا أخبروه عن "غوغول". غير أنّ الأب "فلاديمير شوفيكين"، أكّد لهم، بهدوء، صحة مخاوفهم، مفسّرًا لهم أنّ أحاديثهم لم تكن مع "غوغول" ولا "سقراط" بل مع شياطين حقيقية وأرواحٍ شرّيرة. بدت لهم هذه الأمور غريبة عن إدراكهم، غير أنّهم، وفي هذه اللّحظة، لم يكن لديهم أدنى شكّ أنّ ما يقوله الكاهن لهم هو الحقيقة!.

   قال لهم "الأب فلاديمير" أنّ هذا النّوع من الأفعال الاستحضاريّة خطيئةٌ كبيرة. ثمّ نصح من كان منهم غير معمّدٍ بعد أن يعدّ نفسه لهذا السّرّ الكنسيّ، في أسرع وقتٍ ممكن، أما الآخرون فحثّهم على الاعتراف ومساهمة القدسات.

   غير أنّ هؤلاء الشّبان أرجأوا الأخذ بنصائح الكاهن دون أن يعاودوا هوايتهم السّابقة إذ كانت الفترة فترة امتحانات وتقديم أطروحات ومشاريع آخر السّنة. أمّا الشّاب "جورجي" فكان يقرأ الكتاب المقدّس كلّ يوم، ويستزيد منه أكثر فأكثر، حتّى صارت هذه القراءة ضرورة يوميّة بالنّسبة له، خاصّة أنّها كانت الدّواء الوحيد لانتشاله من حالة القنوط الّتي كانت تعود وتستحوذ عليه من حين إلى آخر. ولم تمرّ سنة على "جورجي" حتّى أدرك أنّ الحياة من دون الله لا معنى لها، لذلك أعدّ نفسه للمعموديّة واعتمد إلى جانب عدد من الأطفال والرّاشدين. كانت عرّابته هي السّيّدة الّتي تنظّف الكنيسة؛ وقد قالت له: "ستكون لك الآن بعض الأيّام المباركة". سألها عن معنى ذلك، فقالت له: "سيكون الله قريبًا جدًا منك الآن، وإن استطعت اذهب لزيارة دير كهوف بسكوف. يوجد شيخ هناك اسمه "يوحنّا كريستياكين"، هو سيفسّر لك كلّ شيء ويجيب على أسئلتك. ولكن عندما تصل إلى هناك لا تغادر للحين بل اثبت لفترة أقلّها عشرة أيّام".


كنيسة سيّدة "فلاديمير" في "دير ستريتانسكي".

   وهذا ما حصل. قصد "جورجي" الدّير وهناك تعرّف إلى الأب "يوحنّا كريستياكين" الّذي صار أبًا روحيًا له. اعتنق "جورجي" الحياة الرّهبانيّة واتّخذ اسم القدّيس "البطريرك تيخن" ونزولاً عند رغبة أبيه الرّوحيّ عاد إلى موسكو والتحق بدير تابعٍ لدير الكهوف، تحوّل، بعد ترميمه، إلى "دير ستريتانسكي" كُرّسَ لوالدة الإله "فلاديمير" وصُيِّر هو رئيسًا للدّير.


المرجع:

Archimandrite Tikhon (Chevkounov) (2013), Père Raphail et autres Saints de tous les jours, Editions des Syrtes (Suisse).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share