إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
حقيقة مذهلة!!

     الأم مجدالينا (نيكراسوفا)، هي راهبة في دير "حماية والدة الإله" الأرثوذكسي في "بوسّي"، فرنسا... كانت عائلتها تعيش في "فولودغا" في الإتحاد السّوفيّتيّ في السّتينات خلال فترة صعبة من حياة الكنيسة. اضطرت عائلتها لتغيير مكان إقامتها مرّات عديدة بسبب اضطهاد المسيحيين، حتّى إنّها نُفيت إلى "كازاخستان". وقد ساعدت هذه الضيقات في ترسيخ إيمان عائلتها.

     في ما يلي قصة روتها "الأم مجدالينا" عن الفترة الّتي عاشتها في "فولودغا" أثناء اضطهاد "خروتشيف" للكنيسة، وكانت نتائجها غير متوقّعة!.

     في تلك الأيّام، كانت كلّ جهود الحكومة تُبذل لوضع حدٍّ سريع "للخرافة الدّينيّة"، وقد وعد "نيكيتا خروتشيف" أنّه سيُظهر قريبًا على شاشة التلفاز آخر كاهنٍ أو ربّما آخر إنسانٍ مؤمن في الإتحاد السّوفيتيّ!!.

      روت الأم مجدالينا:

     عام 1962، كنت أعمل محاسبة في كنيسة "رفع الصّليب" في مدينة "غريازوفتسا" (Gryazovtsa). وفي 21 آذار، ذاك اليوم الّذي يصعب نسيانه، عُدْت إلى المنزل لأعدّ نفسي لخدمة المساء في الكاتدرائية. وبينما كنت أغادر المنزل، التقيت بالباب المطران "ميتسلاف"، وكان يومها يترأس أبرشية  "فولودغا". جاء ليقنعني بالذهاب إلى المركز الثقافي، حيث سيُلقي مساءً، ناشطٌ مناهض للدّين محاضرة. كان هذا النّاشط الكاهن السّابق "تشيرتكوف". لم تكن لدي أيّة رغبة بالذهاب، خاصّة أنّ مرشدي الرّوحي كان قد نصحني بأن لا أسمع ولا أقرأ ولا أطّلع على أي من تفاهات مناهضي الدّين كي لا يتلوّث فكري. ولكن بالقدر الّذي كنت أصرّ فيه على عدم الذهاب، كان الأسقف يصرّ علي أن يذهب أحدنا إلى تلك المحاضرة، كي نسمع عرضهم ونطّلع على الطرق الّتي يستعملونها. وفي النّهاية رضخت للأسقف.

     في تلك اللّيلة، رافقتني شابة إلى المحاضرة. ولسبب أجهله وجدنا نفسَينا في الكراسي الأماميّة مقابل المنصّة. اقترب ثلاثة رجال، عرفت منهم للتوّ الكاهن الّذي ألحد. كان شابًا في الثلاثين من عمره. عرّف عن نفسه بلهجة ساخرة (ربّما لأنّ هذا يسهّل عليه الأمر) أنّه خرّيج معهد اللاّهوت في  موسكو. والحقيقة، أنّي، بمرور الزّمن نسيت معظم الأفكار الّتي ذكرها في خطابه. لكنّي لا زلتُ أذكر حالي الدّاخليّة آنذاك: ألم، مهانة، عجز وشعور بالذنب. وكان كلّما أثّر في الجمهور، وأثار الضحك بمزاحه التجديفيّ، ازداد شعوري بالأسى، وكذلك إحساسي بأنّ صمتي عن هذه الاتهامات  خيانة!!. لكن بدا لي أنّ أيّة معارضة كانت شبه مستحيلة، لا فقط بسبب والدتي وتحذيرات الأسقف، كي لا أتسبب بشجار، بل لأنّي، في الحقيقة، وجدت نفسي عاجزة عن الكلام. أذكر أنّي كنت أحاول أن أجد حججًا ولكن عبثًا... لم أجد الكلمات المناسبة!. وإذ كنت مدركة أنّ الجمهور الحاضر لم يكن يعرف شيئًا عن العقيدة المسيحيّة والإنجيل والقدّيسين الّذين كان يستهزئُ بهم هذا المسكين "تشيرتكوف"، خفتُ أن أتكلّم على غير طائل، لأنّ الكلّ سيرى فيها دعاية لهؤلاء "المتعصبّين المسيحيّين".

     واستمرّ المحاضر في اتهاماته اللاّذعة، ساخرًا من فصولٍ إنجيليّة، محاولاً عرض ما أسماه مجموعة "التّفاهات الّتي في الإيمان الأرثوذكسيّ والأسرار والطقوس". في الوقت عينه كان يؤكّد بوقاحة أنّه كان يؤمن بصدق بها بها، إلا أنّه بمرور الزمن أدرك زيف وضلالة هذا الإيمان، فقرّر أن يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين...

     ومع ذلك، هناك موضوعان خشيت أن يتناولهما: المناولة المقدّسة وقيامة الرّب يسوع المسيح من بين الأموات. والحمد لله، لم يتطرّق لأي منهما. لا أعرف ما الّذي ردعه (ربما كان يخشى الله رغم كلّ ادّعاءاته!) أو لأنّ شعار  الشيوعيّة المخادع آنذاك كان يدّعي الإصرار على عدم المسّ بحساسيّة المؤمنين المتديّنين، رغم كلّ الجهود المبذولة لوضعٍ حدٍّ للأفيون الدّيني.

     منذ بدء هذه المحاضرة، صلَّيت بحرارة إلى الرّب الإله كي يعينني لقول الواجب قوله. إذ إنّه هو الّذي وعد أنّه سيعيننا في مثل هذه الظروف!. لكنّ الوقت كان يمرّ، ولم يكن باستطاعتي التفكير في أي شيء أقوله.

     إلا أنّ الله قدّم لي الفرصة بـ"تشيرتكوف" إذ إنّه عند انتهاء المحاضرة، أعطى مجالاً للأسئلة، كتابة أو بصوت عالٍ. وشكرْتُ الله، إذ كان بحوذتي ورقة وقلم، فكتبت: "أظنّ أنّ حتّى الملحدين الغير  المؤمنين اشمأزّوا من الطريقة المخجلة الّتي ندّدتَ بالكنيسة الّتي لا صوت لها، من حيث إنّها محرومة تمامًا من حقّ الدّفاع عن نفسها. وبعد أن تباهيتَ أنّك تخـرّجت من المعهد الّذي ذكرت، كذبت بشكل رديء، مشوّهًا المعاني الّتي في الكتاب المقدّس..." وهكذا ملأت صفحة كاملة وختمت كلامي بقولي له إنّ خطابه أهان المؤمنين للغاية. ثم وقّعْتُ الورقة بلفظة "مؤمنة". ولأنّي كنت قريبة من المنصّة سلّمته الورقة بنفسي. بدأ يُجيب بسهولة عن كلّ الأسئلة البدائيّة المطروحة. كانت ورقتي هي الأخيرة. وإذ كان عديم الفطنة قرأها على الملأ. أثارت رسالتي للتو جلبة في الجمهور، بانت لي كأنّها استحسانٌ لما كتبت، فارتحت قليلاً. حاول "تشيرتكوف" أن يواجه هذه الصّفعة بقوله:

كنيسة دير "بوسي" في فرنسا

     "أنا سعيد للغاية، أنّ بيننا مؤمنًا. وإلا ما الحاجة أن أتكلّم مع غير المؤمنين فقط؟!... غير أنّني أفهم أنّ هذا الشخص لا يشاء أن يعطي اسمه الكامل، لذا سأعطي جوابًا لكلّ الجمهور الحاضر".

     فوقفْتُ، للتو، وقلتُ إنّي لست أشاء التخفّي. فهمت إذ ذاك أنّ الجلبة الّتي أثارتها رسالتي بدءًا لم تكن استحسانًا البتّة بل استياءٌ... فوجئ "تشرتكوف" لبعض الوقت! من الواضح أنّه لم يكن يتوقّع مثل هذه جسارة من شابة علمانيّة. عندئذ وبشكل غير متوقّع دخلْتُ وإيّاه بمبارزة كلاميّة. سألني أن أشير له أين شوّه كلمات الإنجيل.

     فأجبته له: "عندما قلتَ أنّ الإنجيل كلّه تناقضات، استشهدْت بآيتَين ضاحكًا: "عين بعين وسنّ بسنّ" و"إذا ضربك على خدّك الأيمن فأدِر له الأيسر".

     فقاطعني قائلاً: "أليست كلتاهما في الكتاب عينه".

     فأجبته: "أنت تعلم جيّدًا إلى من كان المسيح يشير في الآية الأولى، وكم من القرون مرّت قبل أن يأتي ويوصينا، هذه المرّة في العهد الجديد من الإنجيل، بالطريقة الجديدة الّتي يجب أن يتعامل النّاس فيها فيما بينهم. وبما  أنّك تخـرّجْت من معهد اللّاهوت بتفوّق، فلا بدّ أن تكون مطّلعًا على المعلومات الّتي يجهلها النّاس هنا... فأنت إذًا تستغلّ جهلهم!".

     فاعترض قائلاً: "غير أنّني قُلتُ الحقيقة، لأنّ هاتَين الآيتَين موجودتان في الكتاب عينه".

     ثم طلب منّي أن أحدّد له أين سخر من الإنجيل؟

     فقلت له: "يا للضحك المخجل الوقح الّذي أثرته عندما تكلّمت على قيامة لعازر!".

     "حسنًا، لكنّي لم أضحك أنا بل الجمهور!".

     "طبعًا، لأنّك عرضت الحادثة على نَحْوٍ ساخر!".

     وارتفعَت وتيرة جدالنا. ولحدّة النّقاش، لم أنتبه أنّه قد انقضت عليه أكثر من نصف ساعة. فجأة، هرع مدير هذه الجمعية إلى المسرح، وأعلن أنّ الخلافات الدّينيّة محظّرة في الإتحاد السّوفيتيّ. وعبّر عن شكره الحارّ لصديقه المحترم "تشيرتكوف" ومحاضرته الشّيّقة.

     وبعد التصفيقٍ، تفرّق الجمع. الظهور المفاجئ لهذا المدير بالإضافة إلى النّظرة اللاذعة الّتي رمقني بها أعاداني إلى أرض الواقع. ارتعبت مفتكرةً أنّه سيُلقى القبض عليّ فورًا، لذا بقيت جالسة في مكاني، منتظرةً مصيري. لكن أحدًا لم يأتِ، فشقَقْتُ طريقي نحو الباب، وإذا بمجموعة غاضبة تلاقيني. قال لي أحدّهم: "لقد كانوا محقّين عندما أرسلوا أناسًا مثلك إلى السّجن!". وسمعتهم يصرخون: "ها هم الأعداء!". و"نحن نعلم كيف نتكلّم مع أناس مثلك!".

     هاج غضبهم سريعًا، وزاد عددهم حولي. رأيت أحدهم يلوّح بقبضته في وجهي. كان الوضع حرجًا عندما ظهر "تشيرتكوف" نفسه فجأة، بشكل غير متوقّع. فتفرّق الجموع، وعرض عليّ خصمي الأيديولوجي بأدبٍ أن نُكمل جدالنا، إن رغبْتُ، وذلك في مكتب المدير. (فهمت فيما بعد أنّ معظم الحاضرين في الصّالة كانوا من المشاغبين المُرسلين من المصانع المحليّة والشركات والمدارس وإلخ... لكي يتمرّسوا على الترويج للحملات المناهضدة للدين).

     دخلنا إلى مكتب الفسيح الّذي للمدير، وتبعنا عددٌ من الملحدين النّاشطين. عرض عليّ "تشيرتكوف" الجلوس إلى طاولة المدير مقابله. ثم أبدى تعاطفه معي من حيث أنّي شابة تدمّر حياتها. سررت أنّ  الحديث أخذ منحًى لطيفًا وصريحًا، فعبّرت له بصراحة عن ألمي للكارثة الّتي جلبها على نفسه. بالتأكيد فوجئ بكلامي. فسّرت للحاضرين ما أعنيه بقولي أنّه في يومٍ من الأيام كان هذا الشاب يعرف الحقيقة بملئها، وهو الآن يرفضها بشراسة، إلا أنّه سيرى الّذي أنكره عندما يغادر هذه الحياة، وأنّ الأمر سيكون فظيعًا يوم ذاك!.

     بعدها أخذ نقاشنا منحًى هادئًا، مختلفًا تمامًا عن اللهجة السّابقة. أحسست من قِبلِه بقليل من الاحترام لي. على كلّ حال هذا ما أذكره، والأحداث الّتي تلت أكدّت لي ذلك.

     لم يقُل هو الكثير، إلا أنّني استمررْت بالتّعبير له عن ألمي أن أرى مثالاً حيًا لإنسانٍ تخلّى عن كهنوته. وأكّدْتُ له أنّه لم يؤمن يومًا ما حقيقةً بالرّب. وإنّي اليوم لأخجل عندما أذكر كم كانت حججي بدائيّة واهية، لكنّي كنت أتكلّم بحرارة وصراحة.

     لسبب ولآخر، أعطيته أمثلة مأخوذة من علم الفيزياء والرّياضيات. أذكر تمامًا كيف قارنت المستوى الرّوحي لجمهوره اليوم بالبرابرة الّذين يسخرون لدى إصرار أحدهم على القول أنّ الأرض تدور حول الشمس. وأمثلة أخرى  مشابهة. ولبرهة أشار لي أنّه ليس أوّل من ترك الكنيسة بل هناك كثيرون، أمثال الكاهن الشهير "ألكسندر أوسيبوف".

     فقلت له: "آه، هذا واقع أكيد، لم تكن أنت الأوّل ولا حتّى "أوسيبوف"!".

     "ماذا تقصدين؟ ألم يكن "دارمانسكي" بعد "أوسيبوف"؟".

     "لست أقصد "دارمانسكي"!".

     "من إذًا؟ "دولومان"؟ لكنّه ترك بعد أولئك!".

     "لست أتكلّم عنه!".

     كان حضور هذه المجموعة الّتي صمتت فجأة خلفي تَحُدُّ من حريّتي، وكنت أتمتم، لكنّ "تشيرتكوف" أصرّ: "كلا إذن، من كان الأوّل؟ قولي لي!".

     كان من المستحيل أن لا أُجيب على سؤاله، لذلك همست له ناظرةً بعينيه مباشرةً: "يهوذا الإسخريوطيّ!".

     لا أستطيع أن أنسى هذه الدقائق، إذ انتفض بقوة لدرجة أنّه قلب شيئًا كان موضوعًا على الطاولة. خفت من هذه الضربة المباشرة. من الواضح أنّ النّقاش انتهى. بعض الكلمات الجوفاء تلت، وعرض "تشيرتكوف" أن نُكمل مناقشتنا بالمراسلة. فكتب لي عنوانه على ورقة وناولني إيّاها. في هذه اللحظة كنت متأكّدة أنّه سيُلقى القبض عليّ، حتّى قبل أن أصل إلى منزلي. لماذا إذًا أُعطيه عنواني؟ غير أنّني كتبته له.

     في الخارج كان المتطرّفون قد غادروا، وساعدني "تشيرتكوف" في إيجاد معطفي وأوصلني إلى الباب. أذكر بوضوح البرد القارس والنّجوم في السّماء تسطع.

الكنيسة في دير "بوسي" من الدّاخل

     انتظرْتُ قليلاً فارتجفت من البرد ولكنّي لم أصادف أحدًا، فقررت العودة إلى المنزل. قلق والداي كثيرًا علي، إذ تأخّر قدومي حتّى إنّهما اتصلا بالمركز الثقافي، وعلما أنّ المحاضرة انتهت وأنّ الفيلم السّينمائي الّذي كان سيُعرض بعدها قد أُلغي، مما زاد من قلقهما إلى حين حضوري أخيرًا في ساعة متأخّرة من اللّيل.

     علمت فيما بعد أن "تشيرتكوف" نُقل إلى خارج مقاطعة "فولودغا".

     تناولت عائلتي بحرارة قصة هذه الشابة الّتي كانت تعمل محاسبة في الأبرشية وكيف أنّ "كاهنًا سابقًا كان يُعطي محاضرة، ويتكلّم بشكلٍ منمّق، حضرته غبية وأفسدت عليه الأمر"!.

     منذ ذلك الحين صارت هذه الجملة جزءًا من تاريخ عائلتنا. أجهل لماذا لم أُعتقل، خاصّة أنّ مقالات كثيرة نُشرت في الجرائد في "فولودغا" تكلّمت عن "عائلة قدِمت من بلدٍ رأسماليّ، وهي تفسد الشباب السّوفيتي". في تلك الفترة، كانت هذه المقالات تسبق عادةً توقيفًا.

     ربما ذهابي إلى "جيورجيا" لمدة شهرَين، نظرًا لإصرار والدتي وببركة أبي الرّوحي، ساعد قليلاً على إبعاد الأنظار عنّي... كان الهدف من رحلتي أن أجد شقة لعائلتي، الّتي عانت الكثير من الضغط الشيوعيّ. لقد مُنعتُ من العودة إلى فولودغا، وكي أستمرّ بالعمل في الكنيسة، اضطررت أن أنتقل إلى "إستونيا".

     لم تنتهي القصّة هنا، والمجد لله!. لأنّي عرفت بعد أكثر من نصف قرن مصير هذا الكاهن السّابق. كنت قد صرت راهبة آنذاك وكان علي الذهاب إلى "ريغا" لعلاج طبيّ، حيث التقيت بابنة الكاهن "سيرافيم"، الّذي كان يخدم تلك النّاحية.

     هذه الشابة المحبّة، قالت لي إنّه قبل أن يصير والدها كاهنًا أثناء الحكم الشيوعي، كان قارئًا في إحدى كنائس "ريغا"، وأنّه في الكنيسة عينها، كان هناك قارئٌ آخر: "تشيرتكوف". كيف ذلك؟. لقد قصّ "تشيرتكوف" بنفسه سيرته على الأب سيرافيم، وما كان ينقص (من السّيرة) قصّه المؤمنون المسنّون الّذين شهدوا له.

     اتضح أنّه بعد أن هدأت موجة اضطهادات "خروتشيف"، استغنَت السّلطات عن خدمات كلّ الّذين "كان قد ضلّوا ووجدوا النّور أخيرًا" (أي المسيحيّون الّذين ألحدوا)، هؤلاء البؤساء الّذين جالوا البلاد بطولها وعرضها لالقاء المحاضرات المناهضة للدّين (وبعضهم مات ميتة صعبة، ألاحفظنا الله منها!) وجدوا أنفسهم في ضياع كبير.

     في ذلك الحين، أخذ شابٌ ما يرتاد الكنائس في "ريغا". لم يبدُ مريضًا فقط، بل مضطربًا. كان يقف أثناء القدّاس الإلهيّ قرب حائط "النارثكس". لم يكن يرسم إشارة الصّليب البتّة. كان فقط يبكي. وعندما كان يبدأ التسبيح الشيروبيميّ، وكان الكاهن يقرأ صلاته السّريّة بشأن  بعدم استحقاقه، كان هذا الشاب يبدأ بالارتجاف ثم يغادر الكنيسة بدموع.

     دام الأمر على هذه الحال مدة من الزمن. ثم بعدها، كما سرد الأب سيرافيم لابنته، ذهب هذا الشاب لرؤية أسقف "ريغا" وأفصح له عن اسمه: نعم، كان "تشيرتكوف".

     خبّر قصّته... وتاب. طلب أن يَستعيد كهنوته. فبلّغ الأسقف البطريرك ألكسي (سيمانسكي) بالأمر، وتلقّى منه الجواب التالي: بما أنّ هذا الرّجل قد أنكر إيمانه علنًا، وتنكّر للمسيح، فعليه أن يتوب علنًا.

     لم يكن باستطاعة "تشيرتكوف" أن يُعلن عن توبته علنًا، لأسباب تقنيّة بحتة: لم تكن ستُعطى له هذه الفرصة من قبل الدّولة. على كلّ حال، لم يستردّ "تشيرتكوف" كهنوته، لكنّه كرّس بقية حياته لخدمة المسيح وكنيسته بكل صدقٍ وأمانة كقارئ، وبالحقيقة، كانت الكنيسة بحاجة إلى قرّاءٍ كُثر في تلك الآونة.

     قيل أنّ قارئ الكنيسة رقد حوالي العام 1990، ودُفن في مقابر "ريغا". ألا أُعطي له ملكوت السّموات!.

     لسنوات طوال بقيت هذه القصة بالنّسبة لي من دون نهاية، محزنة، مأساويّة... إلا أنّي شهدت فيما بعد أنّ هذا المسيحي الكافر الّذي رأيته بأمّ عيني يُفاخر بإلحاده، قد عظّم المسيح رحمته عليه إذ رجع وتاب.

     كان بإمكان "تشيرتكوف" بسهولة أن يزجّني أنا وعائلتي في السّجن أو يرسلني إلى المنفى. كان عليه فقط أن يضع الأوراق اللازمة على الطاولة في الوقت الموافق. لكنّه لم يقُم بذلك. ولدى اجتماعه  بمناصريه لم يكن  يذكر سرّ المناولة المقدّسة، ما يشير إلى أنّ شيئًا ما كان ما زال حيًا في داخله خوّله طلب عون المسيح، لأجل ذلك انتشله المسيح من الجبّ الّذي كان فيه. بهذه السّيرةاستطعْت، بعد نصف قرن، أن أشهد لقصّة توبة حقيقية من الإنجيل كتوبة بطرس!.

     إنّ طرق الرّب تفوق إدراكنا، ولكن ما أروعها!... بالتأكيد، أنّي أصلّي لأجل هذا الإنسان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share