إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
المسيحيّون الصّامدون:
في العراق وكوسوفو

العراق
مقابلة مع سوزان كوشابا
"المتطرفون يريدون طردنا من البلد".


     "إذا كانت الحياة اليوميّة للمسيحيّين في العراق مهدّدة، خاصة في بغداد، إلا أنّ المنطقة الشماليّة للبلاد تنعم ببعض الهدوء لذلك يلجأ إليها المسيحيّون. نورد هنا مقابلة قام بها صحفيّ من جريدة "لو فيجارو" (Le Figaro) مع سوزان كوشابا، الّتي انتخبها مجلس كورديستان المحليّ من اللائحة المسيحيّة".

     سوزان: "لقد تمّ انتخابي على اللائحة المسيحيّة في آب عام 2009 في برلمان إيربيل، عاصمة كورديستان، وهي منطقة مستقلة ذات حكم ذاتيّ في شمال العراق. الدّستور في هذه النّاحية يعطي المسيحيّين ست مقاعد: وهذا شيء لا يستهان به. لقد قمت بحملتي الانتخابيّة  في القرى المسيحيّة، والتقيت بأهلها وشرحتُ لهم أهميّة الانتخاب وأن يكون لهم ممثلون. نحن نمثّل الجماعات المسيحيّة سواء كانت كلدانيّة أم سريانيّة أم أشوريّة أم كاثولكيّة أم أرثوذكسيّة.

     رغم كوني عراقيّة، بالدرجة الأولى، أعتقد أنّنا نتمتّع بإمكانية التعبير عن أرائنا، في هذه المنطقة الكرديّة، هذا واقع قيّم جدًا وضروري في الحالة الحاضرة. في هذه النّاحية، الوضع الأمنيّ أفضل. وأنا فخورة بتمثيل المسيحيّين، وخاصة أنّي أتكلّم باسم المرأة. في هذا البلد، ليس سهلاً على المرء أن يكون امرأة ومسيحيّة تعمل في السّياسة بالوقت عينه: في نظام أنعته بسرور بالمجتمع الذكوريّ، نجد أنفسنا معاقبين بشكل مزدوج. لحسن الحظ، لقد تمّ فرض وجود المرأة بنسبة 25% في كلّ لائحة انتخابيّة.

     بعد عمليات التفجير عام 2004، اضطررت إلى مغادرة مدينتي بغداد. كنت أسكن في دورا، وهو حيّ شهداء، حيث أصبحت الحياة مستحيلة على المسيحيّين. لم نكن مهدّدين فقط بلبس الحجاب كنساء أو حتّى بتغيير نمط حياتنا، بل كان أمننا اليوميّ على المحك.

     ذات صباح، بعد اغتيال جيراننا، قررت مع ابنتي الوحيدة ترك كلّ شيء والهرب. ظننت أني خسرت كلّ شيء، وأنّي لن أعيش حياة طبيعيّة بعد اليوم. لم نكن نملك أنا وٱبنتي إلا حقيبة واحدة وتركنا وراءنا أهلي وأصدقائي، ووظيفتي في الجامعة، وخاصة فرحة العيش حيث ننتمي.


ليختر كلّ واحد بحريّة دينه

     مرّ زمن منذ تلك الحادثة. لم أكن أستطيع الذهاب مباشرة إلى الخارج، فاخترت اللجوء إلى الشمال الكرديّ حيث استقرّيت. وهناك كان عليّ أن أجد سبيلاً للعيش في هذه الحياة الجديدة، المال والعمل، وأهمّها مواجهة صعوبة غير متوقّعة: لم أكن أتكلم اللّغة الكرديّة. المجتمع الكردي، رغم انفتاحه، يحتفظ  ببعض العادات القديمة الّتي يصعب علينا تخطيها نحن النّساء اللّواتي اعتدنا العيش في المدن: على سبيل المثال، استحالة إقامة صداقات جديدة وصعوبة انخراط ٱبنتي في النّظام الجامعي في كردستان. لقد بقيت ثلاث سنوات معي، ثم تزوّجت شابًا كلدانيًّا هاجر إلى كندا. أجد نفسي وحيدة الآن، خاصة أنّ زوجي قُتل في الحرب ضد إيران.

خريطة العراق مع مدينة إيربيل الّتي تقع إلى شمال بغداد

     إنّي أذهب إلى إيربيل خمسة أيام في الأسبوع خلال الجلسات البرلمانيّة. وضمن إطار حقوق الإنسان والشؤون الثقافية، أجد وقتي مأخوذًا بالكليّة، للدفاع عن مصالح المسيحيّين. في عيون المتطرفين نحن كفّار. يريدون طردنا من البلاد. نحن نطالب مع الجماعات الغير المسلمة الأخرى في العراق ألا تُطبّق قوانين الشريعة علينا، كما هي الحال منذ العام 1972 في ما يخصّ الزواج والطلاق وحتّى تعليم الأولاد في المدارس. خاصة نطالب بتغيير وضعنا القانونيّ الشخصي: إذا ولد طفل من زواج مختلط، ألا يُعتبر مسلمًا لزامًا بل أن تُعطى له حريّة الاختيار متى بلغ 18 من عمره. تغيير الأوضاع القانونيّة ليس مستحبًّا، ويمكن أن يسبب تمييزًا عنصريًا وحتّى تهديدات بالقتل!.

     كذلك أعمل سبعة أيام على سبعة. أقوم بزيارة القرى المسيحيّة لأُعْلِم سكانها بنشاطنا. هناك يوجد الكثير من اللاجئين من بغداد والموصل. نتلقى شكواهم ونحاول حلّ مشاكلهم الصّحيّة والتعليميّة، عاملين كوسطاء لهم مع الإدارة الكرديّة. هل من أمل للعراق؟ نعم، ما زال عندي القليل من الرّجاء.

قام بمقابلتها سباستيان دو كورتوا (Sébastien de Courtois)




كوسوفو
الأب سابا جانجيك (Sava Janjic)
"هنا الإرث المسيحي لأوروبا مهدد بالزوال".


     بالنسبة للأب سابا جانجيك، أرشمندريت دير فيسوكي ديكاني (Visoki Decani)، العنف الّذي لم يتوقّف ضد الصّربيين في كوسوفو تضاءل بعض الشيء ولكنّه مستمرّ في المنطقة الّتي طُرد مواطنوها الّذين يبلغون 70% من الصّربيين منذ 1999.

المقابلة.


      مجلة الفيغارو: ما هو الوضع الحالي لصربيي كوسوفو؟

      الأب سابا: العنف ضد الصّربيين في كوسوفو تدنّى منذ بعض السنوات، ولكنهم لا يتمتّعون إلا بحرية نسبية خارج المنطقة المحدّدة لهم حيث يجتمعون ويعيشون. حقوقهم محدودة، وغالبًا ما يتعرضون للتنكيل والمضايقات الكلامية وأحيانًا الجسدية. كما يستحيل علينا العيش من دون الحماية الدوليّة، لأنّ لا شيء يضمن لنا أنّ موجة العنف الّتي اندلعت في آذار 2004، حيث دُمرت 35 كنيسة ومقبرة أرثوذكسيّة في يومين، لن تتجدّد. يومها، بانت الأجواء سلامية، ومدينة بريزن كانت مثال الهدوء ورمزًا للمجتمع التعدّدي: وفي غضون 48 ساعة، طُرد كلّ الصربيين من المدينة، وأُحرق مقرّ الأسقف والكنائس... وإذا كان، اليوم، يعاد بناء بعض الأماكن المقدّسة إلا أنّ قسمًا منها ما زال ركامًا. ومئات المقابر دُنست وهي الآن مهملة. رغم كلّ الخطابات عن كوسوفو المتعدّدة الطوائف، الحقيقة هي أنّنا هنا في دولة تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى دولة من عرقٍ واحد وطائفة واحدة، في غضون عشر سنوات، دُمّر كليًا أو جزئيًا 150 موقعًا مسيحيًا مقدسًا.

     ما هو، بالتحديد، وضع دير ديكاني، الّذي ترأسه؟

     لقد تأسّس الدير عام 1327، وهو من أهم الأديار الأرثوذكسيّة الصّربية في البلقان. يعيش فيه حاليًا 30 راهبًا ومبتدئًا. في عام 1999، خلال حرب كوسوفو، استقبلنا عددًا من اللاجئين الألبان. رغم ذلك، ورغم تواجد القوّات الدولية لحمايتنا، تعرّض الدير أربع مرّات لاعتداءات المتطرفين الألبان: ثلاث مرات بمدافع الهاون ومرّة بالبنادق المطلقة-القذائف! السّبب هو أنّ هذا الدّير، كسائر الأماكن المسيحيّة المقدّسة في كوسوفو، يرمز إلى التواجد التاريخي والديني للصّربيين في المنطقة منذ قرون بعيدة. والّذين يرغبون بـ"كوسوفو" ألبانية ومسلمة فقط لا يتحمّلون ذلك.

     هل كنتم ضحية، مؤخرًا، لعملية ابتزاز أو سوء معاملة أو عنف من قبل الألبان؟

دير فيسوكي ديكاني العريق

     يبدو الجو العام الآن أكثر هدوءًا، لكنه يوجد الكثير من التمييز العنصري ضد الصّربيين الّذين بقوا في كوسوفو: وذلك من خلال التهديدات الكلامية، والعرقلات الإدارية، إلخ... عندما تمّ تنصيب البطريرك الجديد لكنيستنا، السّيّد إيريني، في تشرين الأول الماضي في بيك (Pec)، تمّ رشق عشرات السّيارات، العائدة إلى الحجاج، الّذين جاؤوا ليحضروا حفل التنصيب، بالحجارة. كما ٱزداد تدمير النّصب التذكارية وتدنيس المدافن المسيحية في هذه النواحي. وحتّى الآن لا زالت كوسوفو مجتمعًا غير مستقرّ لغير الألبان، وليست فيه ديمقراطية حقيقية. هكذا يبقى الصّربيون والمجموعات الأخرى عرضة لسهام المتطرفين المحليّين.

     هل سيحميكم الحصول على صفة "خارج الإقليم" للأديرة والكنائس الأرثوذكسية في كوسوفو؟

     إنّ أماكن العبادة هذه بحاجة إلى نظام خاص بها يضمن لها الحماية الخاصة، كونها رمزًا للإرث المسيحي في أوروبا. يجب أن يكون هذا أحد واجبات الإتحاد الأوروبي والدول المحيطة. بغير ذلك سوف يضمحل الإرث المسيحي، شيئًا فشيئًا، في هذا الجزء من أوروبا، وبعدها في كلّ أوروبا الوسطى... بعضُ هذه الأماكن صمد قرونًا خلال الاحتلال العثماني وعبر حربين عالميتين، وعلى عاتقنا تقع المسؤولية الكبرى للحؤول دون زوالها، بسبب إهمالنا وعدم مبالاتنا.

     هل عندك صلاة خاصة في الميلاد؟

     أُصلّي، بتواضع، أن لا يكفّ الشعب الفرنسي عن التفكير بالمسيحيين الّذين يعانون في كلّ العالم. روح الرأفة والتضامن هو ما يحقق إنسانيّتنا ويقرّبنا من المسيح. ما دام هذا الرّوح حيًا فلن يفنى الرّجاء.


قام بالمقابلة جان-كريستوف بويسون (Jean-Christophe Buisson).



المرجع

-  Courtois, S. (2010) Irak Susan Khoshaba “Les extrémistes veulent nous chasser du pays”. Le Figaro 1574 (Dec 24, 2010), p. 36.

-  Buisson, J.-C. (2010) Kosovo Père Sava Janjic “Ici, l’héritage chrétien de l’Europe risque de disparaître”. Le Figaro 1574 (Dec 24, 2010), p. 37.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share