<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
حريق في دير القدّيس يوحنّا المعمدان في اليونان

   وصلتنا رسالة من رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان في كارياس (وهي منطقة في أثينا ناحية "أتيكا" في اليونان). إليكم مضمونها:

أبرشيّة كيسارياني، فيروناس وإيميتوس المقدّسة
دير القدّيس يوحنّا المعمدان الشّركويّ للرّاهبات
كارياس - بنديليكوس


أيّتها الييرونديسا (الأمّ) المحبوبة مريم،
أحيّيكِ وأقبّلكِ في الرّبّ،


   أكتب لكِ إثر حادث رهيب ألمّ بديرنا الّذي تحبّينه وتعتبرينه منزلاً لكِ ونحن أخواتكِ.

   في ١٧ تموز ٢٠١٥ احتفلنا بتذكار العظيمة في الشّهيدات "مارينا"، لكنّنا لم نُقم القدّاس الإلهيّ، وكانت الحياة في الدّير تسير بحسب البرنامج اليوميّ. عند منتصف النّهار، موعد الغداء، أي حوالي السّاعة الواحدة ظهرًا، بدأ دخانٌ يخنقنا، فقالت لنا بعض الأخوات إنّ حريقًا نشب في النّاحية السّفلى من "كارياس". في البدء لم يقلقنا الأمر إذ اعتدنا أن تنشب حرائق عديدة في الصّيف.

 

  وبينما كنّا نتمّ واجبات إضافيّة بعد الغداء، أخذ الدّخان يتكثّف وبانت لنا بعض ألسنة النّيران المتصاعدة من كارياس. كنت متعبةً للغايّة وأصررتُ على أن أستلقي قليلاً وأنام. لكن، بعد حين، سمعتُ صراخ "الأخت خاريتيني" المذعورة يتردّد في أذني، فأدركت أنّ علي أن أنزل. في هذه الأثناء كان الدّخان يخنقنا وقد لفّت الغيوم السّواد أنحاء الدّير.

 

   دخلت الكنيسة مع بعض الأخوات وأخذنا نصلّي بتوجّع. كنت أحمل بيدي رفات القدّيس وأتضرّع راسمةً إشارة الصّليب على النّواحي المحيطة بنا والّتي كانت تحترق. كانت "الأخت إيريني" (وهي راهبة مقعدة في قلاّيتها) أيضًا تحمل رفات القدّيس وتصلّي. بعض الأخوات كنّ في كنيسة والدة الإله والبعض الآخر كنّ يبلّلن أنحاء الدّير بخراطيم المياه، لكنّ الحريق كان يستشري بالأكثر، وكلّ الأخوات كنّ يصلين بتوجّع ولكن بنعمة الله كنّا كلّنا هادئات، في حين كان يجب أن نكون مذعورات.  وإنّ إحدى الأخوات قالت لنا إنّ رجل إطفاء بلباسٍ عسكريّ (سوف تفهمون عندما ستكملون القراءة) قال إنّ علينا أن نلجأ إلى كنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان، لأنّها مبنية من الحجارة وهي أكثر أمنًا لنا، كي ننجو من الحريق.

   اقترب الحريق من بوابة الدّير الخارجيّة، وراحت شجرات السّرو الّتي عند مدخل الدّير تحترق. وفي ناحية مبنى رئيسة الدّير كانت شجرات الصّنوبر المتاخمة للدّير تحترق وكانت النّيران تهدّد قلالي الأخوات. وفي الحديقة أسفل، التقطت شجرة الجوز النّار. كانت الغابة الجميلة تحترق، والجبل بأكمله كان كتلة نار. كان الحريق شديدًا. وكانت هناك ريح شيطانيّة حوالي ١٢ على مقياس "بيفورت" تهبُّ بسرعة حوالي مئة كيلومتر بالسّاعة.

   تجرّأتُ وفتحتُ باب كنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان ورأيت منظر اللّهب الرّهيب المتصاعد إلى أكثر من عشرة أمتارٍ والّذي كان قريبًا جدًا منّا. كانت شجرة السّمّاق أيضًا قد بدأت تحترق. خرجت من الكنيسة ورأيت الدّير محاطًا بنيرانٍ يصعب التّغلّب عليها بارتفاع حوالي ٤٠ مترًا. كنّا مثل الفتية الثّلاثة في أتّون النّار، وإن كنّا لا نستحقّ هذه المقاربة!.

   ومن ناحية بيت الضّيافة، كنّا نسمع هتافات لأناس مضطربين تنادينا. كانت السّيّدة "ماجدا" وهي صديقة مقرّبة من الدّير ومحسنة كبيرة تصرخ بدموع: "دعونا نأخذ الييرونديسا (رئيسة الدّير) والأخوات ونرحل من هنا!".

   كانت النّيران المتأجّجة السّريعة التمدّد تهدّد من كلّ ناحية. لم يكن هناك فريق إطفاء في الجوار. كان الأمر شبه مؤكّد أنّنا سنحترق. لم أستطع أن أتمالك نفسي وقلت: "إنّنا نحترق! النّار تحيط بنا!." كانت النّار تتلظّى والرّياح تهبّ على نحو مسعور. وكنت أُفكّر في نفسي أنّ النّيران سوف تقضي على كلّ شيء.

   في هذه الأثناء حضر "ديميتري وبنايوتيس" من المتجر الصّغير وأنزلانا أنا والأخوات إلى ناحية خارج الدّير في أسفل الطّريق لأنّ الحريق بلغ مدخل الدّير وكان سيصبح من الصّعب علينا مغادرته.

   غير أنّ القدّيس يوحنّا المعمدان كان قد أخذ بتحويل هبوب الرّيح باتّجاه الغابة الصّغيرة، الّتي كانت شبه محترقة. وهكذا أُنقذ الدّير!. من كان يراقب مجريات الأمور بدقّة كان لا بدّ له أن يؤكّد العجيبة الحاصلة. كانت النّيران قد التهمت مشارف الدّير من كلّ ناحية، لكنّها لم تمسّ الدّير بأي أذى وذلك بطريقة عجائبيّة.

   كلّ من اجتمع هناك: "فاسيلي" الرّومانيّ (وهو عامل في الدّير)، السّيّدة "ماجدا" وابنها "ستيلّوس" وعدد من الأخوات تكلّموا عن رجل غريب كان يلبس زيًّا عسكريًّا ويضع خوذة على رأسه تعود إلى حقبة الأربعينات، وقد أتى على درّاجة نارية من الحقبة عينها الّتي ما قبل الحرب. كان في الخارج عند الحدائق السّفليّة يجول حول الدّير متفحصًا ومشرفًا ومشدّدًا الأخوات.

   روت "الأخت ثيوكليتي" أنّها عندما رأته بزيّه العسكري حسبته شخصًا من السّلطات وسألته العناية بخزّانات البنزين، فقال لها: "حسنًا لا تقلقي، لقد اهتممت بهذا الأمر، كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّ القدّيس يوحنّا المعمدان سيعيننا. أنا أيضًا اسمي "يوحنّا"." أشارت أيضًا إلى صهريج الغاز الّذي تحت قلايّتي، ولكنّه قال لها: "اطمئنّي". بعدها، ذهب وساعد فاسيلي. ثمّ تسلّق بين النّيران حتّى وصل إلى خزّان المياه وفتح كلّ خراطيم المياه والحنفيّات كي تجري المياه وتبلّل المنطقة بأكملها.

   لكنّ الحريق كان يستشيط بالأكثر ومثل أتّون الفتية الثّلاثة كان يتلظّى والرّياح تتلاعب به بشكل مجنون مهدِّدةً حتّى كاد المرء يفقد صوابه. قال "يوحنّا -  القدّيس يوحنّا": "إذا أعاننا القدّيس وغيّر اتّجاه الرّياح، يسلم الدّير". وهذا تمامًا ما حصل، فإنّه ما كاد يتلفّظ بهذه الكلمات، حتّى تغيّر اتّجاه الرّيح بشكل عجائبيّ إلى النّاحية المعاكسة تمامًا، نحو الغابة الصّغيرة في الجبال، وابتعدت النّيران كما لو كانت شبحًا.

   عندما خمد الحريق وعدنا إلى الدّير، سأل فاسيلي العامل الأخوات: "من هذا الرّجل؟. هل هو القدّيس؟. لقد كان مختلفًا عن بقية الرّجال. كان وجهه جميلاً وعيناه بلون السّماء!".

   كانت العجيبة عظيمة: لم تمسّ النّيران أيّ شيء من ممتلكات الدّير!. فقط كلّ ما يحيط به، ولكنّها لم تقترب أكثر من ذلك. لحست النّيران والتهمت الأشياء كما كانت الأسود، فيما مضى، تلعق أقدام الشّهداء من دون أن تفترسهم!. كان القدّيس وهو رجل الإطفاء الوحيد في هذا الحريق الكبير الّذي يصعب إخماده، ممّا يشهد لحضوره الحيّ بيننا!. لم تأتِ أيّة فرقةٍ من فرق إطفاء النّار، ولم نرى أيّ رجل إطفاء أثناء الحريق سوى هذا الرّجل "الغريب"، الّذي كان يقول للجميع: "سيساعدنا القدّيس يوحنّا، لا تقلقوا! أنا أيضًا اسمي يوحنّا!".

المجد لله، والإكرام لقدّيسه.
والشّكر لكلّ الإخوة الّذين أعانونا.
صلّي أنت أيضًا، أيّتها الأمّ مريم مع أخواتكِ، كي نصير أكثر حكمةً
ونكون على المثال الّذي يشاؤه الله.

   والعجيبة الثّانية هي أنّنا أثناء الحريق كنّا هادئات وبسلام على نحو غريب. ربّما لأنّ كلّ اليونان كانت تشاهد الحريق على الإذاعات وكانت تصلّي من أجلنا نحن غير المستحقّات.


مع محبّتي بالرّب يسوع المسيح،
الييرونديسا (الأمّ) إفدوكيّا
دير القدّيس يوحنّا المعمدان كارياس.



بعض صور لدير القدّيس يوحنّا المعمدان في كارييس - اليونان
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share