الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
"يدك الّتي لامست هامة السيّد"...

   في السّابع من كانون الثّاني، تعيّد الكنيسة عيدًا جامعًا للسّابق المجيد، يوحنّا الصّابغ. إنّه أقدم عيد معروف في الكنيسة للسّابق. وهو يعتبر عيدًا ملهمًا من الله، الّذي أنار آباء الكنيسة كي يحدّدوا عيدًا لتكريم القدّيس يوحنّا، الإنسان الّذي عمّد الرّبّ. إنّه أعظم قدّيس في الكنيسة، بعد والدة الإله:"أعظم مواليد النّساء". إنّه الحبّ المتجسّد للمسيح نحو البشريّة، وصديق الخطأة، وكاروز التّوبة، والحمامة المحبّة القفر. لا يهمّ في أيّ صحراء نوجد، سواء كنّا في صحراء المدن أو الأماكن الأخرى، علينا أن نشعر دائمًا بحضور يوحنّا السّابق معنا، وأنّه يرافقنا. إنّ رفقته هي أفضل ما بإمكاننا أن نتوق إليه.

    لهذا السّبب عندما كان "ألكسندروس بابادياميس"وسط ضوضاء مدينة "أثينا"، وبين أبناء الطّبقة الرّاقية فيها، كان يتوق أكثر ما يتوق إلى السّابق، شفيع جزيرته "سكياثوس"،  ويقول في إحدى قصائده: "من صحرائك، يا قدّيسي يوحنّا

    حيث سُمع صوتُكَ يومًا

    اذكرنا وترأّف علينا

    نحن التّائهين في صحاري

    جلبة التجمّعات البشريّة".

    ما أجمل ذلك!. لهذا السّبب نحن لسنا يتامى في كنيستنا المقدّسة، ولو شعرنا بذلك أحيانًا، لكنّ الواقع مختلف.


    إنّ الإله المتجسّد بيننا، الّذي به عرفنا الثّالوث القدّوس، وعلى هذا النّحو والدة الإله والقدّيس يوحنّا، والرّسل، والقدّيسين، والملائكة، ورؤساء الملائكة، وأرواح ونفوس الصدّيقين، وكلّ الّذين يحبّوننا، سواء في السّماء أم على الأرض. لذلك نحن لسنا وحدنا، كلّ ما علينا أن نفعله هو أن نصلّي ونسألهم العون، وهكذا نكون "في موكب القدّيسين البهيّ"، ومعهم، وفيما بينهم.

    في هذا اليوم أيضًا،  نقيم تذكار نقل يد السّابق المكرّمة من أنطاكية إلى القسطنطينيّة، على عهد "قسطنطين" المولود على البرفير، وابنه "رومانوس" الثّاني، في القرن العاشر.

    تمّ دفن القدّيس يوحنّا في "سبسطيا"، ومن هناك أخذ الإنجيليّ لوقا يد السّابق ونقلها إلى بلاده أنطاكيا، حيث استقرّت نبعًا فيّاضًا للعجائب. كانت النّفوس تنفتح إلى معرفة المسيح، وتُجْتَذَبُ من عمق الخطيئة، وتوهَبُ نعمة التّوبة. كانت يد السّابق تصنع العجائب بطرق متعدّدة: تخرج الشّياطين، تشفي المرضى، تقيم المخلّعين، والأهمّ أنّها كانت تعيد للمؤمنين صحّة النّفس.

    يورد سنكسار السّابع من كانون الثّاني، أنّه في إحدى ضواحي أنطاكية، كان يعيش وحش مروّع، وأنّ سكّان المحلّة الأصليين كانوا بمعظمهم وثنيّين، وكانوا يعبدون هذا الوحش بمثابة إله، ويقدّمون له في كلّ عام ضحيّة بشريّة، يختارونها بالقرعة. في أحد الأعوام، وقعت القرعة على ابنة أحد المسيحييّن بأن تكون هي الذّبيحة. اضطرب الوالد بشدّة ولم يكن يدري ماذا يفعل. راح يتضرّع إلى الله، ومسيحه، والقدّيس يوحنّا السّابق. في اللّيلة الّتي سبقت إتمام ذاك العمل الشّرّير، غير المرضي لله، ذهب الرّجل لتكريم يد السّابق، حيث اختلس وهو يقبّلها، إبهام القدّيس، دون أن يلاحظه أحد.

    في اليوم التّالي، وإذ كان يحمل معه إبهام القدّيس، أخذ الأب ابنته إلى حيث كان الوحش جائشًا في انتظار من يبتلعه. وكان المكان غاصًّا بالفضوليّين، المنتظرين مشاهدة ذاك الحدث البشع المريع!!!.

    عندما هجم الوحش باتّجاه الفتاة، ركض الوالد نحوه، وعندما فتح فاه ليبتلع الفتاة، رمى الوالد إبهام القدّيس فيه. وماذا حدث؟؟؟ احترق الوحش وتحوّل إلى رماد، واختفى. دهش الجميع، والوالد وابنته بالأكثر. فرحوا جدًّا، ومجّدوا المسيح معظّمين، وسابقه المجيد، واحتفلوا، وهلّلوا وسبّحوا. وتحوّل كثير من الوثنيّين إلى المسيحيّة، والجميع معًا وخاصّة الوالد، الّذي استأهل هذه البركة العظيمة، هذا أشاد بيديه كنيسة على اسم السّابق المجيد.

يد السّابق المكرّمة الموجودة في دير "ديونيسيّو".

    ووصل خبر هذه الأعجوبة إلى الإمبراطورَين، "قسطنطين ورومانوس"  المولودين على البرفير، فأرادا وضع يد السّابق المجيد في "القسطنطينيّة" بمثابة بركة للمدينة. عرف السّابق بذلك، وبارك شوق العاهلين لتكريمه في المدينة المتملّكة. فكان أن سمح ذات يومٍ، إبّان إقامة خدمة تقديس الماء، أن انسلّ راهب اسمه "أيّوب" من كنيسة أنطاكية، واختلس اليد، وأخذها سرًّا إلى القسطنطينيّة. واعتبر ذلك سرقة مباركة..!!..

    وصلت اليد إلى المدينة، يوم السّابع من كانون الثّاني، فخرج الإمبراطوران لاستقبالها بالدّموع والصّلوات، وسجدا إلى الأرض، وقد غمر الفرح المدينة كلّها، وحمل الإمبراطوران اليد "الّتي لامست هامة السّيّد" بإكرام جزيل، وأودعاها، كنيسة القصر، وقدّما هذا الشّكر للسّابق: "نحن نشكرك، يا قدّيس الله يوحنّا، لأنّك سمعت طلبتنا، ورأيت شوقنا، فسارعت إلى تحقيق رغبتنا بطيبة خاطر، على نحو ما ارتضيت أن تأتيَ إلينا". وعلى مدى فترة حكمهما، كانا يقيمان تذكار نقل رفات يد السّابق ويذكر الميناون هذه المناسبة أيضًا.

    يد السّابق اليوم موجودة في دير ديونيسيّو، في جبل آثوس، وأجزاء منها موجودة في أنحاء مختلفة من العالم، كدير "ساتينجي" في "مونتينيغرو" في صربيا.

يد السّابق المكرّمة الموجودة في دير "ساتينجي".

                  

❖شاعر وكاتب يونانيّ معروف، كان يعيش كراهب وسط العالم، وفي كتاباته كان يهتمّ بذكر الفقراء.


المرجع:

Pemptousia.

Archimandrite Ananias Koustenis, Χειμερινό Συναξάρι, vol. I, pp. 134-40

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share