فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
في ميلاد السّابق المجيد يوحنّا المعمدان

في ميلاد السّابق المجيد
يوحنّا المعمدان


”لماذا أنتم خائفون يا قليلي الإيمان“؟! (مت 8 :26)... ”أنا قد غلبت العالم“ (يو 16 :33).

هذا، كان... ولا بُدّ أن يكون ما حدّده الرّب لخليقته!!.

وكان يوحنّا، مولود العقر البشريّ، الّذي كلّله الإله بالنّعمة، باذراً ثمرة الصّلاة المستميتة ”لزخريّا“، الكاهن النّبيّ، في حشا ”أليصابات“، لتثمر ”كاروز القفر“، ”سابق المسيح“ و”النّبيّ ابن النّبيّ“... يوحنّا، معمِّد الإله في نهر الأردن، والبشريّة بوعد الخلاص!!.

”من صدّق خبرنا ولمن استُعلِنَت ذراع الرّب“؟ (إشعياء 1:53).

هكذا، ارتحل يوحنّا صبيّاً... شاباً... راهباً، ناسكاً، مرسوماً وموسوماً بختم الإله، ليقيم في صحراء قدسه. يتعلّم الكلمة من الإبن ”الكلمة“... ابن الآب الوحيد، ومُعْلِناً عنه بالرّوح القدس، كلمةً لا ابتداء لها ولا انتهاء، بل حرفُ نُطْقٍ إن خرجت من فَمِ الله لا تعود إليه خاوية، فارغة من معنى العمر والحياة فيه؛ إلى أن تُفرِغَ أحشاءُ البشريّة ذاتها من جحيميّة هذا العالم، وعِشْقِ محبّته أكثر من الخالق، لأنّ الإله الأزلي ماهى نفسَه مع خليقته، بأنبيائه ورسله ومختاريه، مثبّتًا بهم سلّم الحياة بين الأرض والسّماء، حتّى لا يقضيَ الشرّيرُ على أَنوار نجوم سماء المسيح في العالم.

وعرف ”زخريا“ النّبيُّ وإليصاباتُ زوجُه بالرّوح القدس، أن ابنهما لم يولِداه هما، بل هو نُطْقُ الإله الكلمة، خاتمة الأنبياء إلى مسيح الرّب وبداءةُ للرّسل، جسرُ حياةٍ لم تمت، بل تنبزغ وتتجدّد بحياة من حياة الآب في ابنه وروح قدسه، في حركة حب، تغرف من حياة الرّوح القدس، حياة لا بداءة ولا انتهاء لها، بل تبقى تفاعيلُ حياة الرّوح فيها، فإن نَقُصَت تُزادُ وإن زادت تتوزّع!!.

وارتحلَ الصّبيُّ الّذي حمل الإله على كتفيه، عارفه وباحثاً عنه في صمتِ الصّحاري، صحاري هذا العالم، في فسق دنسه وترتيبات قتل الإله في عبادته، ربوبيّةِ المال وإعلاء شأنه أكثر من ربوبيّة الإله، الّذي خلق الإنسان على صورته ومثاله.

لماذا السّابق؟!...

لإتمامِ النبوَّة وختمها، بإعلان انبثاق العهد الجديد للإنسان الجديد، الإله من حشا بتولية. لم ولن يُعرَف كُنْهها من البشريّة إلاّ بالإعلان الإلهي.

هكذا كان ”يوحنّا“ بداءة ما لا يُعْرَف ولا يُدْرك كُنْهه، مقدّمة لاستعلان عمل ”مريم“ الفتاة العذراء، في قبولها كلمة الله لها بالملاك... وبعد التسآل قالت ”النَّعَم“ الّتي بها خلص العالم من ”لاءِ“ الشرّير... للحياة الجديدة... لا لوعد النّور... لا لقهر الموت!!!.

وصرخ ”السّابق“ الجواب، لماذا هو؟! ومن الآخر؟. المسيح؟!.

ينبغي أن ذلك يزيد وأنّي أنا أنقُص. (يوحنّا 30:3).

بهذه القولة أفرغ يوحنّا ذاته بالكليّة، ”آخذًا صورة عبدٍ“ محتَقَرًا ومرْذولاً من النّاس ليعلو الإبن الإله ويحكم!!.

بهذا الإتضاع ”الصّفة للألوهة“، كشف يوحنّا عن وجه خالقه فيه، ليحمل كلمته وصوته ورأس خلاصه بالمسيح، رأسَه المقطوع ثمن قَوْلِه كلمة حقّ البشارة والإنجيل ، مسيحًا جديدًا متجدّدًا، حتّى القيامة في ومن حضن الإبن، الّذي خلقه وأطلقه ليُعَبّدَ الطريقَ أمامه.

وأعلن يوحنّا عن نفسه، أنّه هو ”صديق العريس“!!.

بصداقة العريس هذه... مات يوحنّا عن سقطة آدم، ليصلح بذاته، بكلمة حقّ الإنجيل، بعدم الخوف، بنار الحبّ اللّهيبيّة، الّتي تجعل الإنسان يقول ”النّعم“ ”المريميّة“، ليُصْلَح آدم أيضًا وأيضًا، ومجددًا ليولد من التوبة، ثم من الموت، ليستعيد كلّ من ألقوا في الجحيم بسبب تجبّره ومعاندته وتركهِ الإله الحيّ، حتّى يولِدَ نفسَه إلهًا للموت... هكذا أمات الشرّيرُ الحياة الحق، بالموت الجبان وبالقتل.

واستضاء وجهُ يوحنّا نورًا من النّور بوجه إلهه ”التّابِعَهُ والّذي هو أقوى منه“، والّذي ليس هو مستأهلاً أن يحلّ سيور حذائه.

من أين بشرية يوحنّا هذه؟!... من أين إفراغُه الكليّ لذاته هذا؟! من أين عزوفه عن العالم وامتشاقه رمالَ الصّحاري والكلمةَ الحقّ، الموبِّخةَ عروش الملوك والنّاقضة أُسسها؟! ليستضيء الإنسان بالنّور الإلهي، بكلمة الحق وبالتوبة.

بهذا أخذ يوحنّا على نفسه سقطة آدم، ولبسها حتّى بدأ وهو العبد، وصديق العريس، حياته بالحبّ للألوهة وعشق مضامينها!. أدار رأسه عن العالم، حاملاً وجه الإله في كيانه وارتحل.

أكمل يوحنّا فكر الثّالوث، بأن صار هو وعدًا مُتَمّماً فعل الثّالوث وحياته في العالم، بقوله: ”فرحي هذا قد كَمُل“ (يوحنّا 29:3).

”توبوا فقد اقترب ملكوت السّماوات“!!.

هكذا تم الإعلان الحيّ الوحيد، مخبرًا الأنام أنّ حفلَ الدّخول لاستقبال ملكوت السماوات، (الرّب يسوع المسيح)، هو لبس حلّة ”التوبة“، دالاً شعبَ اليهودية وأورشليم وجوار صور وصيدا، أنّ صديق العريس بدأ يتمّم قصده بالرّحيل من هذا العالم، بعد إتمام قصد الآب فيه.

لهذا وُلدَ يوحنّا، وعاش بالنّعمة ومات حياً في الإله!!.

خفت صوته عن نداء التوبة مستعيضاً عنه بصلاة العبد لسيّده والتلميذ لمعلّمه: ”ربّي ارحمني أنا الخاطئ“...

اليوم، يوم ميلاد يوحنّا، يتكمّل سرّ ”العرس“ بين الإله والبشريّة، بالكنيسة المبنيّة على جسد الرّب ودمه... الخروف الذبيح منذ الأزل!.

وكان على يوحنّا أن يصير بالكليّة الشهيد الأوّل والشهادة للإله المتجسّد.

اليوم تتنزّل كلمة ”التوبة“ في بنيان جسد يوحنّا وكيانه النّاطق واعيًا سرّ الحياة الجديدة، بالتبتّل الكامل للإله الرّب يسوع، المتجسّد لأجل خلاصنا في أسرار كنيسته العروس.

اليوم تنفلش كلمة ”توبوا“ على جَلَد السّماء، على وجه البحار والأرض في زقّة عصافير الصّباح، وغمر حيتان البحار المالحة وأسماكها!!.

اليوم يرتفع تاج العرس فوق جباه العريس يسوع ”الكلمة“ والعروس البشريّة المتجدّدة، شهادة للحبّ الإلهي، وللحبيب وصليبه!

اليوم يجمع يوحنّا في نفسه كلّ أنبياء العهد العتيق مُعلناً للآتين بعده أنّهم كلّهم ولدوا من كلمة الإله بالرّوح القدس؛ وأنّه من الرّب يحيا وفيه يموت لتحيا البشرية الجديدة بالمسيح، العريس.

اليوم يتقاسم سرَّ العرس ومعناه الأسراريّ، الإله العريس، كلُّ عريس وعروس، ”وجهَ يوحنّا“، المطبوع على وجه كلّ من أحبّ ويحبّ الرّبّ يسوع المسيح ليقول له ”النّعم“... للموت على صليبه المحيي، للحياة القائمة إلى أبد الآبدين.

اليوم تتصيّر لغةُ البشارة والشهادة فرح كلّ المؤمنين الّذين عاينوا آلامَ سقوطهم وبُرْءَ توبتهم بالحبّ ”للصديق“ ليقودهم إلى العريس. فمن يُحبُّ صديق العريس، لا بُدّ له أن يَصْدُقَ العريسَ بالقولِ والفعلِ والنيّةِ للخلاص بحبّ التوبة، هدية عرسه من خالقه ولعروسه الكنيسة البكر، المعمدة بالرّوح القدس والنّار!!.

اليوم تتكمّل مسيرة ”يوحنّا المعمدان“ صديق وحبيب العريس الإله وأولاده، الّذين اختاروا إكليل الشوك الّذي ألبسوه لإلههم، ختماً لموت الأهواء والتنقية، ليتمجّد اسمُ الرّب ويكتملَ فرحُه بالمولودين من كلمته بفرح الشهادة له.

اليوم يموت صمت الموت وحزن الخسارة، لتصير الأرضُ، كلُّ الأرض، ”نَعَمًا“ للولادة وشهادة للحبّ الّذي أُعطي مجانًا لكلّ السّالكين دروب الحبّ وجهادات التنقية والتوبة للخلاص والقيامة. آمين.

الأم مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share