من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
كيف يسمع القدّيسون صلواتنا.
القدّيس ثيوفان الحبيس (٦ كانون الثّاني).

   لا بدّ أنّك صادَفتِ من يتساءَل كيف يسمع القدّيسون صلواتنا، ولعلّكِ تساءلتِ ذلك بنفسك. حاولَتْ تفاسيرُ وتفاسرُ كثيرة أن تجيب على ذلك، ولكن يبقى السّؤال مطروحًا. من جهتي، أتساءل كيف يمكن ألاّ يسمع القدّيسون صلواتنا؟. أتعرفين كيف يعمل التّيليغراف الكهربائيّ؟. يشغّلون في "بطرسبرغ" مثلاً قطعة معيّنة من الجهاز، وفي الوقت نفسه تنعكس هذه العمليّة الّتي جرت في "بطرسبرغ" في قطعة جهازٍ مماثلة في "موسكو"، وتتردّد فيها الحركة ذاتها. ولِمَ يحدث ذلك؟. لأنّ الجهازَين من النّوع نفسه، والسّلكَ الّذي يصلهما مناسب لهما. وفعل التّيليغراف هذا يشبه صلاتنا. فإنّنا نشكّل والقدّيسين قطعتَين من نوع الجهاز نفسه، فيما المادّة المحيطة الّتي يقيم فيها القدّيسون وتغلِّف نفوسنا هي السّلك. فعندما تتحرّك الصّلاة الحقيقية، وأعني الصّلاة الصّادقة، في النّفس، تطير تلك الصّلاة إلى القدّيسين بوساطة فعل العُنْصر عليها، كأنّما يحملها شهاب من نور، وتخبرهم عما نريده وما نصلّي لأجله. وليس فارق زمنيّ ما بين وقت تأديّتنا للصّلاة ووقت سماعهم إيّاها. الشّرط الوحيد هو أن تصدر عن القلب. فهي خطّنا التّيليغرافيّ إلى السّماء. وإن لم تصدر هذه الصّلوات نفسها من القلب، بل من العقل واللّسان وحدهما، لا يستطيعون سماعها هناك. الحقّ إنّها لا تُعدّ صلوات، بل تعابير لفظيّة تشبه الصّلاة.

   وربّما اخترتِ ما يؤكّد قولي من حيث لا تدرين. فقد كتبْتِ لي كيف صلّيتِ بحرارةٍ فشعرْتِ بالهدوء للحال، ونلْتِ يقينًا بأنّكِ ستُعتَقين ممّا كان يزعجك، وهذا ما حصل فعلاً. هذا يدلّ على أن تشبيهي الصّلاة القلبيّة العميقة بالتّيليغراف الصّاعد إلى السّماء بشكلٍ غير منظور هو في محلّه. لقد طار من قلبك سَهمٌ أوشعاع من نورٍ إلى السّماء. ثمّ نزل شعاع مماثل من السّماء على الخطّ نفسه أو لعلّه على خطّ آخر يشبهه، جوابًا لمطلبك. هذه حال كلّ صلاة تصدر عن القلب. إنّ القدرة على مثل هذه الصّلاة لا تتوفّر في الحال، ولكنّ القدرة على سماعها متوفّرة. فلا تستكبري لما حدث. ليتَ الله يُنعم عليك بذلك مرّاتٍ أكثر. تذكّري كيف صلّيتِ في تلك السّاعة وحاولي دائمًا أن تصلّي هكذا، من القلب، لا بترداد الكلمات باللّسان أو التّفكير بها بالعقل وحسب.

   لو تفعلين هذا، لكنتِ تجدين حلًّا  عمليًّا لسؤالك: كيف يكون الإنسان ليحيا في الرّوح؟. ذلك أنّ مثل هذه الصّلاة هي حياة الرّوح. بها تسكن الرّوح في الله وتتّحدّ به، وهذا ما يعطيها قوّة الحياة. فليكن معلومًا لديكِ أنّ النّفس لا تحيا إلاّ عندما تصلّي كما صلّيتِ آنئذٍ. فإن لم تتوفّر مثل هذه الصّلاة، فهذا يعني أنّ النّفس جمدَت، هذا إن لم تمُتْ موتًا كاملاً. ولا أخفي عنكِ أنّكِ إن استطعْتِ أن تصلّي هكذا مرّة فلن تستطعين ذلك مرارًا كثيرة، لأنّ هذه الصّلاة هبة من الله أو يحرّكها فينا الملاك الحارس. إنّها تجيء وتذهب. غير أنّ ذلك لا يعفيك من جهاد الصّلاة. فالصّلاة تؤتى مَن يجاهد لأجلها، ولا تؤتى من لا يجاهد. ونحن نرى أيّ جهاد خاضه الآباء القدّيسون من أجل الصّلاة، إلى أنْ أَلْهَبوا في نفوسهم روحًا مصليّة. هكذا توصّلوا إلى اقتناء تلك الرّوح المصليّة الّتي تركوا لنا رسمًا عنها في كتاباتهم. فكلّ ما قالوه في الموضوع يتضمّن علمَ الصّلاة، وهذا علم العلوم.


المرجع:

   دير السّيّدة – كفتون (٢٠٠٥) القدّيس ثيوفان الحبيس: سيرته وأعماله – منشورات التّراث الآبائيّ.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share