<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
ابن روحي يسأل

الدير في 7 كانون الأول 2008


       الإبن الحبيب بالرب،

       وصلتني رسالتك المؤرّخة في 15 تشرين الثاني منذ بعض الوقت. لم أتمكّن من الردّ عليه في حينه. تركتها أمامي على المكتب والآن أتى دورها.

       بركة الرب معك ونعمته القدّوسة تحفظك وبعد،

       فرحت بأخبارك وأسئلتك. زادك الرب الإله نعمة فوق نعمة. نحن بخير. الدير يكبر. الأخوات صرن سبع عشرة والإخوة أربعة. عمل كثير وتعب كثير هذه الأيام. حياة الدير تسير باطّراد. صلاة وصوم حالياً. الميلاد على الأبواب. رجائي أن يستقر الرب يسوع في مغارة نفسك لينقيّك ويقدّسك. سرّني أنك ستزور لبنان خلال العام القادم. سدّد الرب خطاك.

       سؤالك بشأن الـCoeliacs لا جواب قاطع عندي بشأنه. طبعاً أنا بحاجة لمعرفة أوفى بحالة هذه الشريحة من الناس. لكني أفهم ما تعني. الأم مريم، عندنا، مثلاً لا تأكل القمح بل الشوفان. رغم ذلك لم يخطر ببال أحد منا أن تساهم القدسات من دون استعمال القمح. ربما هناك حالات طبيّة أقسى من سواها. في كل حال لو ثبت أن هناك عدداً كبيراً من الناس لا طاقة لهم على امتصاص القمح عضوياً فإن من الممكن استبدال القمح بالشوفان، مثلاً، أو بغيره. من حيث المبدأ لا أظنّ أن في ذلك مانعاً. المشكلة عملية. هل يُعقل، إذا كان هناك شخص أو شخصان يعانيان هذه الحالة أن نصنع لهما قربانة خاصة توافقهما؟ ثم هل هناك من إثبات علمي يفيد بأن المرضى بهذه العلّة، إذا ساهموا القربان المعدّ من القمح، أحدث لهم الأمر صدمة عضوية؟ يبدو لي، إلى إشعار آخر، وإلى أن تُثبت الوقائع وجود مشكلة حقيقية، أن الإعتراض نظري. ثم هناك الحجّة الروحية تدحض الطرح المعروض جملة وتفصيلاً. القدسات هي المسيح نفسه، جسداً ودماً. فهل يُعقل، لمن كان مؤمناً، بعمق، أن يطرح المسألة كمن زاوية علمية معرضاً عن كون القدسات حياة ودواء للنفس والجسد؟ في كل حال لا أرى مانعاً أن يُنظر في الأمر، ولو نظرياً، من أجل ضعفاء النفس حتى لا نعثرهم.

       أما سؤالك الثاني عن الثالوث القدّوس فما يمكن قوله، غير ما تعلّمنا إياه الكنيسة المقدّسة من خلال الآباء القدّيسين، هو أدنى إلى التشبيه والتقريب منه إلى التفسير العقدي بالمعنى الصارم للكلمة. الثالوث القدّوس، ككشف وإعلان، يبقى سرّاً، أي حقيقة تفوق مدارك الناس. هذا مُعطًى يُقبَل بالإيمان ولا يُفسَّر بالعقل. مهما حاولت أن تقرّب الصورة إلى افهام البشر، فإن الله، كثالوث، هو أكثر وغير ما تقوله في شأنه. في ذاته، الله مختلف تماماً عن كل ما يمكن نسبته إليه.  اللاهوت التنزيهي عندنا يسعى لأن يعبَِّر عن هذه الحقيقة الفذّة لله بالذات. طبعاً يمتدّ صوبنا وليس بمنفصل عنا. من جهتنا، في شأنه، بإمكاننا أن نشير لا أن نحدّد. للعقل عمله بلا شك ولكن للعقل حدوده أيضاً. لا مجال لاستيعاب الثالوث لأنه ليس فكرة. العقل يستوعب ماهو من طبيعته لا ما ليس من طبيعته. حتى موضوع الواحد والثلاثة تقريبي تبسيطي. لا الله واحد، بالمعنى الصارم للكلمة، ولا ثلاثة. الواحد والثلاثة يُطلَقان على ما يُعَدّ والله لا يُعَد لأنه لا يُحَدّ. ما يُعَدّ يُحَد. الواحد والثلاثة هما أدنى إلى الصفات منهما إلى الأعداد.الواحد هو الأحد، الكلي، الكامل الذي لا يتجزّأ، البسيط، ذو الجوهر الفذّ المميّز الذي لا نظير له. والثلاثة هو ما له علاقة بالحركة الداخلية المحبية في الله. الله محبة وأكثر من محبّة. الله شخصاني وفوق شخصاني. إذاً الواحد والثلاثة يشيران ولا يحدّدان. أن تفهم الثالوث أكثر ليس هو المبتغى. الفهم الحقيقي هو أن تفهم أنه لا يمكنك أن تفهم. السرّ يُقتبَل ولا يُستَوعب. لا مانع، لا بل من المناسب أن تلجأ إلى الصور التقريبية لتشير إلى الثالوث. هذا يعين الناس. صورة الحب، أن الحب يكون بين أشخاص، هذه مفيدة. الصورة التي استعملها القدّيس يوحنا الدمشقي، صورة آدم وحوّاء وشيتْ، كذلك مفيدة، باعتبار أن الأب والأم والذرّية تعبير عن مجمل الجنس البشري. غير أن الدخول في تفاصيل الصورة، كما فعلت، واعتمادها صورة طبق الأصل عن الثالوث غير جائز. فقط نكتفي بالتلميح إلى وجه الشبه بين الصورة والثالوث. في كل حال، دستور الإيمان، وكذا الكتاب المقدّس، لا يتكّلم على ثالوث بل على الآب والإبن والروح القدس. الثالوث تعبير بشري لا يخلو من الإلتباس. من الصور الأخرى المساعِدة صورة الشمس من حيث هي كتلة ونور وحرارة  وواحدة في آن. كذلك صورة الدماغ والكلمة والنَفَس التي بها يدخل الإنسان في تواصل وسواه إشارةً إلى الثالوث الذي بالآب والإبن وبالروح القدس يمتدّ إلينا ويعطينا أن ندخل في علاقة معه.

       أما اهتمامك بالكلام على الثالوث للأولاد والمهتدين وسواهم فعليك أن تأخذ في الإعتبار الأمرين معاً: أن تنقل لهم صورة أو صوراً تقريبية عن الثالوث وأن ترسِّخ في أذهانهم، في آن، الطبيعة الأسرارية لله. القصد من نقل الأفكار، في هذا الشأن، ليس هو التفسير والإستيعاب بل تقديم الآخرين إلى الله كسرّ حقيقي جداً ولو لم يكن مادة للعقل.

       أرجو أن تزيدك هذه الملاحظات معرفة بنورانية الجهل المبارك الذي نتّشح به بفرح في كنيسة المسيح بإزاء سر الحضرة الإلهية وعمله في حياتنا والعالم.


أخيراً أحييك من جديد وأبارك عليك
كن معافى واسلم بحفظ يسوع وسلِّم على من لك
الداعي في المسيح

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share