إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
الأم فروسيا في المعتقل

                      

       عندما كانت الأم فروسيا مبتدئة في دير ديفييفو كانت تعمل في رعاية العجول على الأراضي البعيدة التابعة للدّير قرب نهرٍ صغير اسمه "ساتيس". هناك كانت تقطن مع غيرها من الأخوات. ظروف العيش في ديفييفو كانت صعبة، لم يكن الدّير يُعطيهم ولا حتّى قميصًا. كلّ ما كانت المبتدئة تحمله من بيت والديها هذا كانت تلبسه. كنّ يُعطَينَ أحذية يلبسها الفلاحون مصنوعة من القشّ. ولكنّ فروسيا كانت تردد ما علّمتها إيّاه الأمّ "أغاثا" المباركة: "صلّي في كلّ خطوة تخطينها، صلّي: يا ملكة السّموات، احفظي عفّتي، لا تحرميني من ملكوت السّموات، ولا تطرديني من ديرك المقدّس! – رددي هذه القولة وستثبتين، رغم الأخطار الكثيرة المتربصة بهذا المكان".

       تَروي الأم فروسيا أنّها عندما كانت مبتدئة رأت ذات مرّة أيقونة للقدّيس سيرافيم تُحيط به وحوش مفترسة ومخيفة وتماسيح تنفثّ سمًّا. لكنّ القدّيس كان واقفًا يصلي. وكانت فروسيا تقول إنّ هذه الوحوش والزحّافات هي الشياطين وأهواء الإنسان وإنّ الصّلاة تُنقذ منها؛ ولكنّك إن كنت تدين الآخر فلن تثبت في أي مكان لأنّ هذا ممقوت عند الله. عليك بالحري أن تراقب نفسك وتدين أفعالك!.

       عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، ثم عام 1917 نشبت الثّورة الشيوعية وأُطيح القيصر، فأخذ النير يشتدّ على المؤمنين. هذا ما روّته الأم فروسيا عن تلك المرحلة:

صور لراهبات ديفييفو في أوائل القرن العشرين

       كانت هذه أوقات صعبة ورهيبة. في بادئ الأمر، لم يمسّوا الدّير بأذى، لكنّهم سرقوا مزارعنا، ومخازننا... ثم حان الأوان كي نتألم نحن أيضًا. من كان يسرقنا؟ سكان قرية "لوماسوفو" المجاورة، الّتي تبعد 6 كيلوميترات عن "ساتيس". لكنّنا إذ أُنذرنا أنّنا سنُسرق في اليوم التالي في "ساتيس" ، بعث لنا الدير عمّالاً يساعدوننا في نقل القطيع إليه. عملنا اللّيل بطوله كي ننقل قطيعنا الكبير. وبالإضافة إلى ذلك، أضعنا الطريق في الغابات الكثيفة الّتي يصعب اختراقها... كم كان ألمنا كبيرًا! ظنّنا أنّ المسير سيكون قصيرًا ولكنّنا جلنا حوالي 20 كيلومترًا! مررنا بقرب عقار كان يعيش فيه "لازخين" رجل نبيل وملاّك. في هذا العقار كان الإنسان يملك مصنعًا للنبيذ، وكان القرويّون قد بدأوا بسرقته في هجوم مفاجئ. كما كانوا يشربون ويسكبون كلّ شيء على الأرض. بعضهم غرق في أوعية النبيذ الكبيرة وبعضهم احترق من الكحول.

       كانت الفوضى عارمة، الكلّ يحاول أن يكسب لنفسه شيئًا ويدخل إلى أي مكان يمكنه سرقته.

       تعب قطيعنا خاصّة العجول فأخذنا نحمل البعض ونحث البعض الآخر على السّير... لا أستطيع أن أنسى أحداث تلك الليلة. وصلنا أخيرًا إلى ديفييفو حوالي السّاعة السّابعة صباحًا. وفيما كنّا نتقدّم مثقلات مع البقرات إلى داخل الدّير كانت تُتَمَّم خدمة القدّاس الإلهيّ. أخذنا القطيع إلى حيث كانت الأحصنة... وبشكل عجائبي سلمنّ كلّنا. لكنّ الأم الرّئيسة أمرتنا بالعودة إلى "ساتيس" لذا تناولنا كوبًا من الشاي وعدنا على أعقابنا.

صور أخرى لراهبات ديفييفو في أوائل القرن العشرين

       وما إن وصلنا إلى هناك حتّى لحق بنا قوم من "لوماسوفو" مع أعلامهم الحمراء بقصد سرقتنا، وكم كان عددهم كبيرًا! كان عندنا في "ساتيس" مخزن للحبوب، فتوجّهوا إلى هناك مباشرة وأمرونا بإعطائهم المفاتيح، فبادرتهم المتقدّمة بيننا: "حسنًا، سأعطيكم المفاتيح، ما هي حاجتكم؟".

       "نحن بحاجة لكلّ شيء! سنأخذ كلّ الحبوب، أعطيننا كلّ ما عندكنّ!" فظنّت هذه الرّاهبة المسنّة المسكينة أنّهم سيعاملوننا بشفقة! ولكن كان الواقع عكس ذلك تمامًا.

       أجبرونا على فتح المخزن وسرقوا كلّ محتوياته. فجأة سمعنا "بوم! بوم!"... ماذا حصل؟ أتى سكان قرية "فيرتياسنك" للدّفاع عن الدّير، وطردوا سكان "لوماسوفو".

       لكنّ السّرقات تتالت مع التخريب والترهيب. وأخيرًا طردونا من "ساتيس". كان ذلك عام 1917، تمامًا إبّان الثّورة الشيوعيّة. لكنّ الدير لم يُقفل إلا في العام 1927. حتّى ذلك الحين لم تبدُ الأمور مخيفة إلى هذا الحدّ، لأنّ ثمّة حكومة كانت قد تشكلت وكانت تُمسك بزمام الأمور. لكن كلّ الأديار في الجوار دُمّرت وسُرقت. فقط ديرنا لم يُمس. كان هناك من يحمينا من موسكو. وكانوا يبلغوننا همسًا: "اثبتن ولا تذهبن إلى إي مكان آخر".

       أقمنا مصنعًا في الدّير، وأسمينا الدّير مصنعًا!، لكن، في العام 1927، طلبت السّلطات من الأم الرّئيسة أن تقدم لائحة بأسماء الرّاهبات وكلّ أوراقهن الخاصّة. غير أنّنا لم نكن نملك أيّة أوراق خاصة! هذه الحقيقة! كُنّ نُقبل في الدّير من دون أوراق ثبوتية. فقط عددنا كان معروفًا. قبل الثورة كُنا حولي 1000 راهبة. عندما قدِمتُ إلى الدير عام 1915، سألتني الرّاهبة: "أنت بنت من، ومن أيّة قرية؟". وإذ كانت في الدير فتاة من قريتنا اسمها "أغاثي" تكبرني قليلاً، أجبتها: "أنا من قرية أغاثي"، فقالت لي: "آه! قرية أغاثي!"... هذا كان كلّ شيء... هذا كان كلّ ملفّي.

       كانت الرّاهبات المسنّات في الدّير يخبرننا أنّ القدّيس سيرافيم، منذ حوالي 150 سنة، تنبأ للرّاهبات يومذاك: "سيأتي يوم ويرمون بيتيماتي خارج بوابة الدّخول مثل حبّات البازلاء". كانت هذه النّبوءة تحيرنا، وكنا نتساءل "أيّة بوابة دخول"... لا يوجد في الدّير بوابة تحمل هذا الاسم!.

       وحلّت السّنة 1927... كنّا نحتفل بعيد من الأعياد الرّسمية للدير "عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل". أذكر تمامًا أنّ السّاعة كانت الثّانية بعد الظهر، موعد الغروب الصغير... كنتُ إحدى اللواتي يقرعن الأجراس. فانطلقنا لقرعها، وفيما كنت أفتح الباب – آخ! أمسكني أحدهم بذراعي. يا رب! العلم الأحمر! الميليشيا! لم أره قادمًا... أمسك بالباب ولم يدعنا نفتحه ولا أن نذهب إلى الجرسيّة. صرخ "توقفن!" فقلت له: "ماذا تعني بـ"توقفن"؟ إنّه موعد قرع الأجراس!".

       "ربما هذا الوقت لكي تقرعن أنتن الأجراس، ولكن ليس هو الوقت بالنّسبة لنا!".

       هرعت في إثرنا أخوات الجوقة: "ما الخطب؟ لماذا لم تقرعن الأجراس؟".

       "إنّ الرّجل مع العلم الأحمر هنا يمنعنا من ذلك!".

       ولم يسمحوا لنا بقرع الأجراس في هذا العيد. عوض ذلك أعطونا سبعة أيامٍ كي نجمع أغراضنا ونرحل.

       كان هذا في أيلول عام 1927، عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل، فتذكرت الأخوات قولة القدّيس سيرافيم: "أبواب الدّخول".

       سألت الرّاهبات المسؤولين الحكوميين: "إذًا لدينا سبعة أيام قبل أن ننتهي من كلّ شيء ونرحل؟ هل هذا يعني أنّ باستطاعتنا أن نقوم بخِدَمِنا ونقرع الأجراس؟"

       "حسنًا! من يبالي!"، ولم يمنعونا.

       بعد أسبوع، وقبل خدمة الغروب الأخيرة، قرعنا كلّ الأجراس، قرعنا كلّ النّغمات، كلّها... لآخر مرّة. قرعنا وقرعنا وقمنا بالخدمة الإلهيّة. ومن ثم تبعثرنا مثل العصافير الصّغيرة في مهبّ الرّيح! هكذا والمطر يهطل. جاءت الشرطة ورمتنا في الطريق! يا إلهي! يا ملكة السّموات!.

       ماذا نفعل؟ لم يعد باستطاعتنا أن نلبس ثيابنا الرّهبانيّة. لقد منعت السّلطات ذلك. لذلك ارتدينا ثيابًا مدنيّة. حُظِّرت الأيقونات وجعلونا نضع صورة لـ"لينين" عوضًا منها. لم توافق أي منّا على ذلك.

       نُهبت كلّ محتويات الدير والكنائس من ملابس وصلبان وأيقونات... أخذوا كلّ شيء.

الجيش السّوفيتي يسرق الإيقونات أفراد من الحزب الشيوعي يحرق مجموعة من الأيقونات

       وأحضر الجنود بعض الفلاحين لنقل الأغراض من الدّير. فكانوا يبكون ويطئطئون رؤوسهم حزانى، ولكن ما عساهم يفعلون في وجه القوة السّوفيتية الحاكمة. أُخذت الأم الرّئيسة إلى السّجن أما نحن فتفرقنا...  كان هناك أسقف في الخفية قال لنا "لقد أخرجوكنّ من ديركنّ ولكنّنا لم نعتقكنَّ من نذوركنّ الرّهبانيّة".

       لست أعلم ماذا كان يفكّر النّاس بشأن هذه الأحداث ولكن نحن الرّاهبات كنّا نقول: "هذه لعنة، عقاب من الله. لذلك سمح الله بإقامة هذه الحكومة ضدنا".

       عام 1937، كانت ما زالت بعض منا يعشن قرب الدّير. هنا في شارع "كالغونوفكا". وفي النّاحية الأخرى من الشارع كانت هناك راهبات أخريات يعشن في منازل صغيرة... البعض خاف كثيرًا من السّجن فتزوجْن... ألا رحمهنّ الله!.

       ولكن في تلك السّنة، قدمت رجالات الميليشيا ليأخذونا إلى السّجن. في ذلك الحين وضعت الحكومة نظام القضاة الثّلاثة المعروف باسم "ترويكا".  أذكر أنّهم كانوا جالسين في غرفة صغيرة، وهم ثلاثة أشخاص عراضُ القامة. فجأة أدخل أحد الجنود عشرين امرأة، كلّهن راهبات. فقال أحدهم: "يا للهول، يا إخوة! هذا العدد دفعة واحدة!".

       فأجابه الجندي: "هناك أكثر بكثير من حيث أتين! أعرف أين أجدهنّ".
"حسنًا أيّتها الفتيات!"... أسمانا فتيات!... "أنتن مدركات أنكنّ مذنبات! ما ذنبكنّ؟ حسنًا؟ هل ذهبتنّ مرّة إلى الكنيسة؟".

       "نعم".

       فقال القاضي: "أدرجهنّ في لائحة المتسوّلات".

       هذا كان ذنبنا أنّنا متسوّلات!.

       أخذونا إلى "طاشكند"* ، أقفلوا علينا في عربة قطار لنقل الأغنام، وبعثونا إلى هناك تمامًا كالأغنام... كان الهواء ينفخ بعنفٍ في المقصورة المقيتة الّتي كنّا فيها، ومن شدة انزعاجي تقيأت. كنت أبكي في كلّ حين: "يا إلهي، لماذا أنا في السّجن؟ لماذا جعلتني عصفورًا أسيرًا؟".

       كنت مستاءة لأنّي أُسرت. لذلك كنت أبكي. بالحقيقة كنّا كلّنا نبكي. وما إن تحرّك القطار حتّى أخذ الهواء يعصف بنا في المقصورة حاملاً تيارات باردة، فأصبت بالزكام على الفور. ومن شدّة النّوح انتفخ وجهي. لست أذكر كيف وصلنا إلى "طاشكند". لست أذكر شيئًا إلا أني وجدْتُ نفسي في المستشفى. أعتقد أنّ هذا ما أنقذني من موت محتّم...

       ثم أخذونا إلى أرضٍ جرداء وقالوا لنا: "اعملن"... بنينا مدينة بأكملها ونحن نعمل كالعبيد من دون أجرٍ... جعلونا نمرّ بما كانوا يسمّونه "التفتيش العام"... فيه كانوا يجبروننا على السّير في خطٍ واحد بين صفَين طويلين من الجنود المدجّجين بأسلحتهم وحرباتهم. وكانت هناك كلاب تنبح باتجاهنا. لماذا؟ ما هو هذا الّذي كان يخيفهم فينا؟! نحن الرّاهبات؟!!... وكنّا نسير ونسير من دون توقّف... ثم في نهاية الخط كانوا يفتشوننا! فتشونا وأخذوا كلّ شيء كنّا نحمله! أخذوا صلباننا! ألا سامحهم الله! آه! يا والدة الإله... واحد من الشرطة نزع الصّليب من عنقي، ورماه على الأرض وأخذ يدوسه بحذائه، صارخًا في وجهي: "لماذا تلبسين هذا؟".

       أتعلمون، إنّهم عندما كانوا يأخذون صلباننا... كنتُ أشعر أنّ إلهنا ومخلّصنا كان واقفًا هناك مصلوبًا، مدمّى، يتألّم عنّا! كان أمرًا مروعًا!.

       وبعد ذلك؟! كيف سنعيش من دون صلبان؟! في تلك الأيام جعلونا نعمل في خياطة الأنسجة. فصنعنا صلبانًا من كريات القطن الّتي كانت في النّسيج. رأتنا السّجينات الأخريات في الحمام فشكتنا لدى الجنود قائلات: "لقد لبست الرّاهبات الصّلبان مجدّدًا!".

       ولكنّهم لم يزعجونا بأخذهم الصّلبان المصنوعة باليد... لا جدوى من ذلك... إذا أخذوها منا، سنصنع غيرها.

       والرّب قوّانا! إحدى راهبات "ديفييفو" كانت قد أُدخلت السّجن قبلنا، وقالت لنا إنّها رأت القدّيس سيرافيم في حلم. كان الأب سيرافيم يقود مجموعة كبيرة من الرّاهبات هنا في السّجن، وقال لها بفرح: "افتحي الأبواب! لقد أحضرت أخواتك إليك!"، نحن كنّا الأخوات الآتيات.

       قبل اعتقالنا، كانت تعيش في ديفييفو امرأة قدّيسة اسمها "ماريا إيفانوفا". كنت بقربها أثناء احتضارها. كان ذلك بعد وقت قليل من مغادرتنا للدّير. كنّا نسألها كلّنا: "أيّتها الأم العزيزة، متى سنعود إلى الدّير؟ نريد أن نعود إلى الدّير!".

       فقالت: "ستذهبن إلى الدّير. ستذهبن. أنا والأم المسؤولة عن الصّندوق سنستدعيكنّ قريبًا إلى الدّير".

       وماذا قالت لي أيضًا؟... قالت: "لكن في هذا الدّير لن يسمّوكنّ بأسمائكنّ بل بأرقامٍ. وأنت يا فروسيا، سندعوكِ أنا والأم المسؤولة عن الصّندوق ثلاثمائة وثمانية وثلاثين".

       ثلاثمائة وثمانية وثلاثين. عجبت لذلك ولكنّي تذكرت الأمر عندما أُدخلت إلى السّجن لأنّ هذا هو الرّقم الّذي أعطي لي. نعم لقد تنبأت لي بذلك الأم المغبوطة ماريا إيفانوفا! "هذا سيكون ديركنّ!".

       سجننا كان ديرنا. عشنا هناك واضطررنا لقبول الكثير من الأمور الصّعبة. لم يكن باستطاعتنا الحفاظ على صومنا بشكل مُعلن. ألا سامحنا الله.  كانوا يطعموننا حساءً من العظم المسلوق. ولكنّنا تمكنّا من الحفاظ على الصّوم الكبير. كنّا نشرب ماءً فقط ونأكل ما هو مسموح به... وامتنعنا عن الأمور الأخرى مثل الحليب واللحوم...

       على كلّ حال، وجودنا كلّنا في مكان واحد كان أمرًا جيّدًا. كنّا أربعين راهبة. يا لها من فرحة كبيرة. كلّنا محشورات في سجنٍ واحد ننام على ألواح خشبية! يا رب ارحم! على الخشبات السّفليّة كانت تنام المجرمات، فتيات عنيفات كُنّ يمسكن بزمام الأمور. أما نحن فكنّا ننام على الخشبات العلوية وكنّا فرحات أكثر من أولئك بكثير. كانت بعض منّا مرتلات. لذلك كنّا في أحيانٍ كثيرة نجتمع هناك ونرتّل بصمت "إنّ جبرائيل". البعض كان يعرف كلّ الخدم الكنسية عن ظهر قلب، لذلك لم نكن بحاجة إلى كتب، لقد أخذوا كلّ كتبنا المقدسة.

       ذات مرّة نقلونا إلى مخيّم آخر. استغرقت الرّحلة في القطار وقتًا طويلاً. وفي العربات المجاورة لنا كانوا ينقلون فئات من المجرمين. هؤلاء كانوا يتصارعون طيلة الوقت! كانت الرّاهبات في مقصورة على حدة. لكنّ المجرمين كسروا الألواح الخشبية وقذفوا بإحدى المجرمات ووضعوها معنا بعد أن عنّفوها. كانت... شبه عارية. وإذ كنّا نحن نملك بعض الملابس الإضافية أعطيناها ما ترتديه مع قليل من الخبز. كانت الفتيات المجرمات لا يملكن شيئًا....

       وسار بنا القطار. فجأة فتح أحد الجنود الباب. لم يكن من الحزب الشيوعي، بل كان جنديًا بسيطًا. سألنا: "حسنًا أيّتها الأخوات هل أنتنّ بخير؟" "كلّنا بخير نشكر الله". "هل أنتن بحاجة إلى شيء؟ هل إحداكنّ مريضة؟" "كلا، كلّنا بخير! سنتدبّر أمورنا!". أما الفتاة المشاكسة الّتي ألبسناها ثيابنا فأخذت تصرخ وتقول: "أيّها المشرف! هؤلاء الرّاهبات ما زلن يصلين إلى الله ويرتلن!".

       فأجابها: "هذا أمر جيد! لماذا لا ترتلين معهنّ؟ هذا سبب اعتقالهن، فدعيهنّ يصلّين".

       كان هناك جندي لكلِّ عربة، جالسًا للحراسة. والجندي الّذي كان يحرسنا كان يسير على سطح عربتنا في الهواء الطلق والطقس بارد... فكنّا نسمع خطواته وقفزاته الّتي كان يصطنعها كي لا يتجمّد. أشفقنا عليه: "يا إلهي، يوجد دفء في الدّاخل، وهو في الخارج يتجمّد من البرد، كي يحرسنا!".

       كان القطار يتوقف في محطات عدّة. في كلّ مرّة كان ينطلق فيها من جديد كان هذا الجندي يقرع علينا صارخًا: "أيّتها الأخوات! رتّلن! رتّلن ترتيلة "أيّتها السّيدة"! رتّلن! لا تخفن!".

       لم نفهم قصده، لكنّنا أخذنا نرتّل ما نعرفه... نعم يا إلهي، بعض الجنود كانوا شبّانًا فاضلين.

       بعد ذلك أخذونا إلى مأوى للأطفال متصلٍ بالسّجن. كانت أمّهات الأولاد في المعتقل. ولم يكن من المعقول أن يُوضع هؤلاء الأولاد في رعاية فتيات مجرمات. كان باستطاعتهن قتلهم. لذلك أحضرونا نحن الرّاهبات لرعاية الأولاد.

       وكنّا فرحات هناك! كان الفصح وكان الكلّ نائمًا، فاجتمعنا في وسط الغرفة... في الجناح المخصّص للعب الأطفال... هناك اجتمعنا بهدوء وأخذنا نرتّل: "لقيامتك أيّها المسيح إلهنا..." و"المسيح قام من بين الأموات..." ولكن بصوت خافت، حتّى لا يسمعنا أحد.

       وذات مرة سمعتنا الممرضة والمديرة: "من أين هذا الغناء؟ كأنّه ترتيل ملائكي!". فوجدتانا: "إذن، هذا غناؤكنّ!".

       خفنا كثيرًا لأنّ المديرة كانت يهودية. لكنّها لم تقل شيئًا لأحد بل طمأنتنا: "لا بأس، لكن رتلن بصوت خافت".

       كانت لنا فرصة كي نعمّد هؤلاء الأولاد. ألا سامحني يا الله!. كان يجب أن أقول ذلك للكهنة!. كنّا نعمدهم أثناء غسلهم. كنّا نتلو صلوات مثل: "أؤمن بإله واحد..." وصلوات أخرى. نسيت ما كانت هذه الصّلوات. كنّا نعمّد كلّ أربعة أولاد دفعة واحدة. كانت هناك أمراض كثيرة في المأوى والكثير من الإهمال. هذه كانت الحال هناك. كم من الأطفال رقدوا؟ الكثير! وفي نهاية المطاف، أخلوا سبيلنا.

       آه يا إلهي، ما الّذي لم نفعله هناك؟ كنّا نعمل في كلّ حين، نخيط الملابس، نهتمّ بالأولاد، نعلّمهم. نحن الرّاهبات!.

       آه لحياة السّجن! لا تشفق على أحد... بالحقيقة كلّنا كنّا سجناء لمدة سبعين سنة! كانت روسيا سجنًا كبيرًا... وأنا لا زال أمامي امتحانٌ واحد أخير... يا إلهي خلّصني! يا ملكة السّموات!.


        *  منطقة على الحدود الجنوبية الرّوسية، كانت ضمن الإتحاد السّوفيتي إلا أنّها انفصلت فيما بعد وأصبحت ضمن دولة "أوزبكستان".


المرجع:

Archimandrite Tikhon (Chevkounov) (2013), Père Raphail et autres Saints de tous les jours, Editions des Syrtes (Suisse)

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share