بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
من أنين الحشى إلى شباب كنيستي

شابّ بعث لنا بهذه الرّسالة. أسمى نفسه "تنكة مصدّاية". نمرّرها هنا، للمنفعة، لشباب كنيستنا.


من أنين الحشى
إلى شباب كنيستي


       "كلّ الأمم أحاطت بي، وباسم الرّبّ قهرتها".

       يا شباب الكنيسة، لقد تربّينا في جوٍّ سيطرت عليه أفكار "الأمم"، وصادرته لمصلحة إبليس أبي "الأمم". ما يواجهنا أرهب وأعظم ممّا واجه آباءنا. فإن كان أسلافنا واجهوا شيطانًا متخفِّيًا في رجالٍ ظاهرين، فنحن نواجه شيطانًا رابضًا بأناسٍ متخفّين. الشّرّ تعاظم جدًّا، وأصبحنا نجهد لملاقاة أناس يخدمون التّراث، وكأنّنا نطلب الإبرة في جبل قشٍّ. العالم ضائع، يا إخوتي! العالم متشرذم، متشرذم لأنّه أخضع ذاته لـ "المُشرذِم".

       أنا شابّ مثلكم، سرت مسيرة تشبه مسيرة أيّ شابّ، في هذا المجتمع، إلاّ الشّابّ المؤمن. كذب عليّ "أبو الكذّاب"، وأقنعني بأنّني سألقى الفرح. أقنعني بأنّني سأفرح بالتّلذّذ بملذّات هذه الدّنيا وشهواتها الّتي لا تنتهي. ظننت أنّني سأرتاح، وألقى ملء إنسانيّتي في التّصرّف مثل أكثر شباب هذا الدّهر، لأنّ المجتمع ربّاني على قاعدة "الأكثريّة على حقّ"، ونسيت مَن قال "أنتم قطيع صغير". فكنت ألهو، وأتنقّل من شاطىء إلى شاطىء، ومن سهرة إلى أخرى، ومن علاقة عشواء إلى علاقة سوداء. كنت أبحث عن الملء في فراغ عظيم! قفزت من هوّة إلى هوّة أكبر، ومن حزن إلى حزن أردأ؛ كنت أسأل: لِمَ الحياة؟! لكنّني افتقدتُ الصّمت الّذي يجيب؛ فحواسّي مليئة بأغانٍ وأفلامٍ خطفَتْ منّي الصّمتَ، والهدوءَ المتكلِّمَ. أحببتُ نفسي في ذاتها؛ فأكلتُها وما شبعتُ! ابتعدتُ عن الكنيسة كيانيًّا، مع أنّني لم أبتعد في الظّاهر. كانت لي الكنيسةُ حجرًا، والمجيءُ إليها واجبًا، وأبناؤُها رجعيّين. ابتعدتُ عن المسيح، ظانًّا أنّ لي حياةً في ذاتي؛ فبدل أن أبكي جحيمَ خطاياي، بكيت تذمّرًا على الله! تركتُه، وتركتُ عبادتَه، وعبدتُ أهوائي و"موضتَها"؛ وحين لقيتُ الحزنَ، تذمّرتُ عليه، وخاصمتُه؛ فكنت أموت في خطيئتي. خطاياي لم تكن كبيرةً، في الظاهر. لكنّ هذا ليس المقياس، لأنّ قلبي كان لها، ولم أكن "أطّرح كل اهتمامٍ أرضيّ". لصق ذهني بترابيّتي، وكنت أصبو إلى أمورٍ تخصّ ما لهذا الدّهر، أمورٍ فانية، لا روح فيها ولا حياة! وبدل أن يكون هدفي الحياة الأبدية، غُصتُ في حياة دهريّة، ستنتهي مع فناء هذا الجسد الّذي "لا ينفع شيئا". بعدها، قلت في نفسي: "لا بدّ من أنّ العِلمَ يُفَرِّح". أعطيتُ نفسيَ الهالكةَ للعِلم الفاني؛ فكان لي القول كالسّيف: عَلِمْتَ شيئًا، فغاب عنك المسيحُ! ليس أنّ العلم غير مفيد، لا بل مفيد جدًّا، إذا كان وسيلة لمجد الله. لكنّه كان لي للحزن والشّقاء، أيضًا وأيضًا، لأنّ مجدي فانٍ ومائت.

       ... وكان الافتقاد من الله. تعرّفت إلى الدّير، وتعرّفت إلى كتاباته، وبدأتُ أقرأ الآباء القدّيسين.

       أمران غيّرا نظرتي، لا بل حياتي:

       أوّلاً، في ظلّ هذا العالم المتسارِع، الّذي يلهث لخطف ما لنفسه وتجميع ما لذاته، صُدِمتُ! صُدِمتُ عندما رأيتُ "الرّاهب"! لم تكن الصّدمة، فقط، لأنّ الرّاهب لا شيء له، ولا يعمل لنفسه؛ ولا كانت الصّدمة، فقط، لأنّه يطيع، ويُخضِع نفسه إلى الغاية. بل كانت الصّدمة الكبيرة أنّ الفرحَ يملأ قلبه، على الدّوام! كانت الصّدمة، على حدّ قول الرّسول المصطفى بولس: "كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كلّ شيء"! وبدأت الأسئلةُ تعصف فيّ: لِمَ، أنا الّذي كانت لي الحرّيّة الكاملة - حرّية هذا الدّهر - أن أفعل كلّ شيء، ولي المالُ والذّكاءُ والصّيتُ الحسن، ولي المظهرُ الجميلُ وكلّ ما يشتهيه إنسان دهريّ؛ وبكلمة، لي كلّ شيء في الظّاهر، لِمَ أنا حزين ومُضطرِب؟! وهذا الرّاهب، الّذي يسحق نفسه إلى الغاية، وهو غريب في الأرض، لاشيء له، لِمَ الابتسامة على وجهه، وقلبه متهلِّل؟! لِمَ يسارع إلى العمل بفرح، وهو غير منتفِعٍ منه؟! ثم أتاني صوت الرّسول بولس ليجيبني من أحشاء سكرى: "الحياة لي هي المسيح، والموت ربح".

       الأمر الثّاني، الّذي ضرب كياني بقوّة، نتج من قراءتي لآباء الكنيسة. نحن نعيش في "زمن"، هو زمن متغيِّر ومتقلِّب؛ فمن الطّبيعيّ جدًّا، إذًا، أنّ مَن كتب قبل ألوف السّنين لم يكن له فكر إنسان يعيش في زماننا الحاضر؛ ومن ثمّ، ربّما كتب، في زمانه، ما يكتبه معاصرونا، اليوم؛ لكنّه، حتمًا، لم يكن، في أعماقه، يقصد ما يقصدونه هم، الآن. وكانت كتابات آباء الكنيسة لي كَمِن خارج، كمن خارج الزّمن تأتي، لتضطهد نفسي الزّمنية! أتت لتصفعني؛ لأنني عشت لعقدين في حدود الزّمن، غيرَ عالِمٍ أنّني أﹶبديّ، غيرَ عالِمٍ أنّ في داخلي ما لستُ أعرفه، الّذي هو روح الله، وهو غيرُ خاضِع للزّمن! قرأتُ الآباء من جميع زوايا التّاريخ البشريّ. قرأتُ كتاباتٍ من معظم القرون؛ فتعجّبت! كيف يمكن الشّيخ باييسيوس أن يكتب بفكرٍ واحدٍ والرّسولَ بولس؟! كيف يمكن الشّهيد الرّوسيّ الجديد بنيامين أن يقول عبارة "المجد لله" حتّى الموت بالطّريقة نفسها، الّتي قالها بها النّبيّ أيّوب في العهد القديم؟! كيف يمكن القّديس يوستينوس بوبوفيتش والأب جورج فلوروفسكي أن يدافعا عن الأرثوذكسيّة بالحدّة ذاتها الّتي كانت للقدّيسين مرقس الأفسسيّ، وغريغوريوس بالاماس، وفوتيوس الكبير، ومكسيموس المعترف؟! كيف يمكن القدّيس سلوان الآثوسيّ أن يختبر الجحيم والملكوت، مثلما اختبرهما القدّيس إسحق السّوريّ؟! وأتاني الجواب، أيضًا وأيضًا، من رسائل القدّيس بولس: "أمّا نحن، فلنا فكر المسيح"؛ والمسيح هو الله، والله فوق الزّمن؛ لذا، مَن له فكر المسيح، فله فكر غير متزعزع إلى الدّهور! في قراءة الآباء سلوة، ليس أنّها سلوة عاديّة، لا بل هي "السّلوة".

       يا إخوتي في المسيح يسوع، أراكم ضائعين، أراكم تتخبّطون بآراء ومواضيع كثيرة، وهموم لا تنتهي، "والحاجة إلى واحد".

       أفرغتم ذواتكم من روحها، وتنظرون إليها على أنّها جسد، فقط! تتعاملون مع الحرّيّة وكأنّها تعني "اِفعل ما تريده"، ونسيتم الّذي قال "الّذي يفعل الخطيئة هو عبد للخطيئة"! تريدون المسيحَ، وتريدون كلَّ شيء من ملذّات هذه الدّنيا إلى جانبه، وهذا هراء وكذب! الّذي يضع المسيح نصب عينيه لا يهتمّ بما يلبس، أو يأكل، أو يشرب، وكأنّ هذه الأمور غايات في ذاتها؛ ولا يُحاجج بأمور هذا الدّهر؛ بل يُخضِع ذاته بكلّيّتها للكنيسة وآبائها الكبار؛ لأنّ طريق التّحرّر من عبوديّة الخطيئة إلى البنوّة في المسيح يسوع ربّنا تبدأ من هنا.

       مَن كان غير مستعِدٍّ للتّخلّي عن حياته من أجل المسيح، فهو غير مستحِقٍّ له. إن كنّا لا نريد أن نمتنع عن لذّة واحدة من أجله، فكيف ننتظر نعمته؟!

       يا شباب الكنيسة، ليس لنا حياة في ذاتنا!

       نحبّ التّكلّم كثيرًا على محبّة الرّبّ يسوع، ظانّين أنّ ربّنا يحبّ أهوائِيًّا، كما نحبّ نحن! المحبّة لا محاباة فيها! "المحبّة تبتغي الحقّ"! نظنّ، متوهّمين، أنّ سيّدنا تركنا نفعل ما نريد، وسنخلص في الأخير. هذه قمّة الضّلال والجهل! نسلك في الطّريق السّهلة، الّتي تناسبنا، وقد نسينا أن الطّريق السّهلة هي المنحدِرة إلى دركات الجحيم! لقد فتّشت الإنجيلَ زاويةً زاوية، ووجدت أنّ الطّريق ملؤها الفرح. لكن، لم أجد مَن يقول إنّ الطّريق سهلة سالكة، بل أرهبني القائل: "الطّريق ضيّقة" و"الملكوت يُغتصَب اغتصابًا"!

       لِنُبْعِدْ عنّا روح الرّخاوة والضّعف، وَلْنَعلمْ أنّه كما أنّ أشعّة الشّمس تُذيب الشّمع وتُقسّي الطّين؛ هكذا محبّة الله: للسّالكين في وصاياه مُجوهِرة، وللنّاسين وصاياه قاتلة وحارقة بنار لا تُطفَأ. نتكلم على محبّة المسيح، ولا نقرأ الكتاب المقدس. شيء عجيب رهيب! سيّدنا قال: "مَن يحبّني يحفظ وصاياي". كيف نحفظ الوصايا، ونحن لا نعلم ما هي، أصلاً، بما أنّنا لم نكلّف أنفسنا عناء قراءة كتاب الحياة، كل يوم؟!

       لا تُكَوِّنوا فكركم الخاصّ، يا إخوتي؛ فنحن لسنا بروتسطانتيّين شاردي الفكر. فكرنا باطل، في ذاته! ليس إلاّ فكر المسيح يشفي.

       لا تحكموا على آراء الآباء المعاصرين والقدماء وعلى كتاباتهم بعقولكم البائدة، وكأنكم مرجعيّة ذواتكم! مرجعيّتنا التّراث، بكلّ مكوِّناته؛ فإن كان شيء في التّراث لا يعجبني، فأنا مّن يجب أن يتغير، لا التّراث !!!

       "نحن نتسلّم كلّ تعليم الآباء، ونسعى لتكييف حياتنا في هذا الاتّجاه. نحن لا ننفصل عن الكنيسة، أي عن الرّئاسة القانونيّة، وعن قدّيسينا حملةِ التّقليد. نحن لا نجاهد لخلاص الكنيسة، لأنّها جسد المسيح، ولا تحتاج إلى مخلِّصين. لكنّنا نجاهد لنكون مخلَّصين في بقائنا في الكنيسة." (الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس).

       يا أبناء المسيح و"عبيده"، لنجتهدْ كي نكون تحت جناحَي الكنيسة، لأنها ثابتة إلى الدّهور؛ فنكون أذكياء حكماء، واضعين أساسات لا تفنى. نحن في حاجة إلى تسليم ذواتنا إلى الكنيسة، لأنّنا مرضى، وهي المستشفى الوحيد!

       لِنُطِعْ فكر المسيح، ولْنقرأ الآباءَ القديسين، لا علماءَ النّفس والفلاسفةَ الّذين ملأوا الأرض بأفكار فارغة! لنقرأ الإنجيل، ولْنَدْنُ منه بمخافةٍ، وبنيّةِ استشفافِ مشيئةِ الله، لا بنيّةِ الانتقاد! لنلتمس الصّمت في خلوات، في الأديرة! الشّرّير خطف منّا الهدوء، لأنّ الصّمت هو السّبيل الوحيد لمعرفة النّفس ودنسها!

       كونوا، بإرادتكم، عبيدًا للمسيح يسوع، لتصبحوا أحرارا فيه وله؛ " تجدوا الرّاحة لنفوسكم"!


"تنكة مصدّاية"

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share