<
نحن مشدودون إلى الرّب، متعطّشون إلى أن نتّحد به أبديًّا. وهو بنفسه ينتظرنا بحبّ. إنّ العطش إلى الله يشبع كياننا الأرضيّ، فنصبو إلى أن نموت هكذا.(الأب صوفروني سخاروف). لا تقم بعملٍ بواسطة عقلك، بل بواسطة قلبك. ولا تقم بعمل دون أن تضع بتواضع ثقتك بالله.(القدّيس بايسيوس الآثوسي). إنّ لاهوت الإسم القدّوس ولاهوت الإيقونة لهما مسحة مشتركة. فتأمُّل إِيقونة المسيح يصلنا به بالرّوح.(الأب صوفروني سخاروف). إنّ المراكز والمسؤوليّات تشكّل عائقًا كبيرًا أمام مسيرة الإنسان المؤمن إلى الفردوس إن لم يكن حذرًا. (القدّيس بايسيوس الآثوسي).إنّ حاجتي إلى أن أُشفى بقوّة الرّوح القدس، مثل حاجة شابٍّ تائقٍ إلى الحياة، وواجد نفسه يتحطّم بمرض ما.(الأب صوفروني سخاروف).
أيقونة والدة الإله "الكأس الّتي لا تفرغ"
يُعيّد لها في ٥/١٨ أيّار

   تاريخ الأيقونة

   في ما يلي ترجمة لوثيقة رسميّة مطبوعة في "سيربوكوف"، روسيّا ١٩١٢.

   توجد أيقونة والدة الإله العجائبيّة "الكأس الّتي لا تفرغ" في الكاتدرائيّة الأساسيّة "لدير سيربوكوف النّسائيّ"، المسمّى على اسم والدة الإله. وتستقرّ في أيقونسطاس مصنوع خصّيصًّا لها بجانب مدفن القدّيس برلعام، مؤسّس الدّير الأوّل. كثيرون يقصدون هذه الأيقونة ليصلّوا أمامها آتين من مختلف الأماكن، لا من "سيربوكوف" فحسب، بل ومن مناطق بعيدة جدًا أيضًا. قد يبدو معنى أيقونة "الكأس الّتي لا تفرغ" غامضًا لكثيرين. "الكأس الّتي لا تفرغ" هي كأس لا تفرغ من الفرح والعزاء والشّفاء والحياة، بمعنى آخر، إنّها الينبوع الّذي لا يفرغ لكلِّ البركاتِ والعطايا ("افرحي يا كأسًا يشرقُ بها السّرور" كما يُقال في المديح). إنّنا نسمّي والدة الإله "الكأس الّتي لا تفرغ" لأجل نقاوتها الدّاخليّة الفائقة، ولأجل هذا السّببِ الرّوحيِّ العميقِ غدت أيقونتها نبعًا للرّجاء الخلاصيّ والأشفية لكلّ الّذين يقبلون إليها مسارعين لمواجهة هوى السّكر والإدمان.

   تتشفّع والدة الإله لأجل كلّ الخطأة وهي تبغي خلاص الجميع، إنّها رحيمة وتشهد معاناة السّاقطين في مهاوي هوى السّكر. إنّها ترى أنّ الكثير منهم يريدون حقًّا الخلاص من هذا المستبدّ الفظيع وأن يشفوا من مرضهم، لكنّهم لا يجدون القوّة الكافية في داخلهم لمجابهة هذا العدو ودحره.

   لذلك فوالدة الإله من خلال أيقونتها "الكأس الّتي لا تفرغ"، تدعو بالحقيقة كلّ المتألّمين أن يلتمسوا منها العون إذ إنّها ملكة السّماء. إنّها نبع الفرح الرّوحيّ الّذي لا ينضب، وهي تفيض في قلوب المجاهدين من كأسها الّتي لا تفرغ هبة الحلاوة الرّوحيّة السّماويّة لكي ينبذوا بواسطتها كأس الخمر المدمّرة ويرفضونها وهي الّتي كانت قبلاً قد استعبدتهم بشدّة.

   "تعالوا يا جميع المساكين المتألّمين من هوى السّكر هذا، يا من في كلّ مكان وزمان. أقبلوا إلى حماية ملكة السّموات القويّة. اتّخذوا قانونًا إن شئتم أن تبرأوا، واقرأوا ثلاث مرّات السّلام الملائكيّ "افرحي يا والدة الإله العذراء...

   لا همّ كم استعبدكم هذا الهوى، فهو سيصبح عديم القوّة تجاه عون والدة الإله السّماويّ. لا أحد يلتجئ إليها ويمضي خازيًا.

   في النّهاية، أيّها المتألّم، هناك خلاص بهج لك ولكلّ بيتك... المجد لإلهنا المانح كلّ الخطأة معونة قويّة كهذه، معزية ورحيمة: والدته الكليّة القداسة".


دير "فيدينسكي"

   في ما يلي يجد القارئ في أيّة مناسبة ظهرت وتمجّدت أيقونة والدة الإله "الكأس الّتي لا تفرغ".

   ما زال كلّ الدير يذكر هذه القصّة حقيقةً، لأنّه لم يمضِ وقتٌ طويل على حدوثها لذلك ما زال الكلّ يتذكّرها. وقد جرت هذه الحادثة مع الرّاهبة إليزابيت (+ ١٩١٠) الّتي كان عمل طاعتها الاهتمام بالكنيسة حين استعُلنت أيقونة "الكأس الّتي لا تفرغ". بالإضافة إلى ذلك، كان لهذه الرّاهبة ذاكرة حادة، ويبدو أنّ الزّمن كان أعجز عن أن يسلبها أيًّا من التّفاصيل الّتي شَهِدت لها. وقد عُرِفَتْ هذه الأخت ببساطة قلبها الطيّب والشّفوق، لذلك كان الجميع يحبّها وهي الّتي اعتنت بأيقونة والدة الإله المقدّسة "الكأس الّتي لا تفرغ" حتّى مماتها وفي ما يلي قصّتها:  

   حدث كلّ ذلك في السّنة الأولى لرئاسة الأمّ ماريّا (١٨٧٨).

   كان إنسان قرويّ من منطقة "تولا" في مقاطعة "أفريموف"، وهو جنديّ متقاعد، ميّالاً إلى السّكر*.

   كان يُنفق كلّ راتبه التّقاعديّ على المشروب، كلّ ما يملك وكلّ ما يوجد في منزله. فانتهى به الحال إلى البؤس الكامل. من فرط الشّرب، أصبح مشلولاً ولكنّه لم يتوقّف عن الشّرب.


كنيسة القدّيس جاورجيوس في دير فيدينسكي

   ذات يومٍ، إذ كان في حالة اضطراب كبيرة – جسديًّا وروحيًّا وماديًّا، رأى حلمًا غريبًا. أتاه شيخ وقور وقال له: "اذهب إلى "سيربوكف"، إلى دير والدة الإله. هناك، في كنيسة القدّيس جاورجيوس، توجد أيقونة لوالدة الإله اسمها "الكأس الّتي لا تفرغ". اقرأ خدمة المديح قدّامها وستشفى روحيًّا وجسديًّا".

   لم يجرؤ هذا الإنسان على القيام بالرّحلة بسبب فقره المدقع وشلل رجلَيه الكامل. لكنّ الشّيخ القدّيس أعاد الكرّة مرتَين وثلاثة وكان مصرًّا على تذكيره له ليتبع نصائحه، لذلك شرع هذا القرويّ في رحلته نحو "سيربوكوف".

   كان يسير زاحفًا على يديه وركبتيه. وفي إحدى القرى المجاورة، توقّف للاستراحة والغذاء، استضافته امرأة مسنّة ليبيت عندها. أعطته طعامًا وشرابًا، ولتخفّف عنه ألم رجليه، قامت بتدليكهما وأضجعت عابر السّبيل المرهق هذا في غرفة دافئة مخصّصة للعجزة والمرضى.

   أثناء اللّيل، شعر المسافر بتحسّن في رجليه. وبحذر بالغ، أنزل رجليه من على السّرير وحاول الوقوف عليهما ورغم ضعفهما واستطاع الوقوف!. انتظر الصّباح بفارغ الصّبر ليكمل سيره – الآن لا على يديه وركبتيه بل على رجليه مستعينًا، بادئ الأمر، بعكّازين، ثم بعكّاز واحد حتّى وصل إلى "سيربوكوف" ووجد دير والدة الإله.

   بوصوله إلى الدّير، قصّ حلمه العجيب على المبتدئة "زاكاريا" (الّتي صارت فيما بعد الرّاهبة إليزابيت)، الّتي كانت تعمل بالطاعة في الاهتمام بكنيسة القدّيس جاورجيوس، فأسرعت لتتلو المديح لوالدة الإله أمام أيقونتها "الكأس الّتي لا تفرغ"، لكنّ طلبَها سبّب بلبلة كبيرة في كلّ الدّير لأنّ لا أحد فيه كان يعلم بوجود أيقونة لوالدة الإله بهذا الاسم. ثم فكّر أحدُهم: أليست هي الأيقونة المعلّقة في الممر الّذي يصل كنيسة القدّيس جاورجيوس ببرج الأجراس أو بغرفة الاجتماعات؟ على الجهة اليسرى بجانب أيقونة والدة الإله من كالوغا. هناك رسم لكأس في هذه الأيقونة. لدهشة الجميع، كان مدوّنًا على ظهر الأيقونة كتابة: "الكأس الّتي لا تفرغ"!.

   في الدّير ذاته رأى الإنسان المريض أيقونة للقدّيس برلعام وعرف للحال أنه هو الشّيخ القدّيس الّذي ظهر له في الحلم.

   بعد استعادته الصّحة تمامًا غادر هذا الإنسان الدّير فرحًا وتابع مسيره إلى دير القدّيس سيرجيوس رادونيج. في طريق العودة، عاد فزار دير والدة الإله ليشكرها على عنايتها العجيبة به.

   انتشرت أخبار ظهور الأيقونة العجائبيّة بسرعة في "سيربوكوف" ثمّ شيئًا فشيئًا امتدت إلى خارج المنطقة. أقبل الموثقون بأسر الكحول من كلّ مكان ليصلّوا إلى والدة الإله أمام أيقونتها الحديث ظهورها. كان البعض يأتي مرتين أو ثلاث مرّات ليشكر ملكة السّموات لأجل مراحمها العظيمة تجاهه. حتّى الّذين عانوا كثيرًا من هوى السّكر، الّذي لم يكن أمل بشفائهم، كانوا يتخلّون عن الشّراب الكحوليّ المدمّر بسهولة ويعودون إلى حياة هادئة مستكينة، معيدين البسمة إلى بيوتهم. كلّ ذلك كان يحدث بفضل العون السّماويّ لوالدة الإله. هكذا شفي التّاجر "ستيفان فيدتوف" بالكامل من هذا الهوى، وكعرفان بالجميل وكتذكار لشفائه صنع أيقونسطاسًا جميلاً للأيقونة وزيّنه بإطارٍ ذهبيٍّ وفضيٍّ بدل الصّحيفة المعدنيّة الّتي كانت موجودة وصنعَ نسخةً طبق الأصل عن الأيقونة العجائبيّة ووضعها في منزله.


كنيسة دخول السّيّدة في دير فندينسكي

   بعد وقتٍ قليلٍ من ظهورها المجيد، تمّ نقل الأيقونة من مكانها الأصليّ إلى الكاتدرائيّة الرّئيسيّة الّتي لوالدة الإله حيث وُضعت في مكانٍ لائقٍ. ومن ذاك المكان بالذّات أصبحت والدة الإله من خلال أيقونتها المقدسة قريبة من كلّ المتألّمين الطّاليبن شفاعتها، وقد اختبر زوّار الدّير ذلك مرارًا. أيقونة "الكأس الّتي لا تفرغ" المقدّسة، جميلة جدًا ومرسومة على النّمط القديم. يظهر وجه والدة الإله في حيويّة كاملة.


   ماذا تصوّر هذه الأيقونة؟...

   في الظّاهر، تبدو هذه الأيقونة نسخة مطابقة لأيقونة والدة الإله المصليّة. وحده المسيح الطّفل يُرسم واقفًا في الكأس. ماذا كان الفكر التّقويّ الّذي دفع الرّسّام إلى تصويرها بهذا الشّكل؟ من المفترض أن يكون الرّسام قد انتقل إلى سرّ الشّكر المقدس: الكأس مع المسيح الطّفل مباركًا – هنا من كأس المناولة المقدّسة، تنبع كلّ البركات الموهوبة إلى البشريّة السّاقطة بفداء سيّدنا يسوع المسيح، لكلّ الّذين يقتربون منها بإيمان. هذه الكأس هي بالحقيقة "لا تفرغ" لأنّ الحَمَلَ فيها، دائمًا، "يؤكل ولا يفرغ أبدًا". والدة الإله بيديها الفائقتَي الطّهارة المرفوعتَين تظهر كالكاهن العظيم تتشفّع بنا حتّى تُقبل هذه الذّبيحة، (الموجودة في الكأس المقدّسة) الّتي اتّخذت جسدًا من دمائها الفائقة الطّهارة، على المذبح السّماويّ قربانًا لأجل غفران خطايا العالم. إذ إنّها هي الرّحيمة وتتشفّع بنا لدى الله، مقدّمةً ابنها المذبوح طعامًا لكلّ المؤمنين.

   لن يجد المساكين والفقراء، والمصابون بهوى السّكر في أيّ مكان آخر دواءً فريدًا فعّالاً لدائهم المستعصي إلاّ في كأس المناولة المقدسة، الّتي هي جسد ودم المسيح. وليس هناك طريق أخرى أصيلة للحصول على محبّة ومسامحة والدة الإله إلاّ عبر المشاركة في أسرار المسيح المقدّسة  فبها يصبحون بنين حقيقيّين لها. إنّها تصلّي وتتشفّع وتظلّل وتعين كلّ فقير ومصاب وتسأل ابنها وإلهها ليهبنا كلّ البركات وخاصّة  الحياة الأبديّة.

الكاهن جايمس بريليانتون.

   الأيقونة اليوم!...

   بعد أن تمجدت أيقونة "الكأس الّتي لا تفرغ" كأيقونة عجائبيّة سنة ١٨٧٨، أَنشأت كاتدرائية القدّيس ألكسندر نفسكي في "سيربوكوف" ما سمي بإخويّة "القدّيس ألكسندر نفسكي" لعدم الشرب. بعد الثّورة، انتقلت الأيقونة إلى كاتدرائيّة القدّيس نيقولاوس. خلال الأعوام ١٩١٩-١٩٢٨ تمّ رسم ثماني نسخ عن الأيقونة ببركة المطران. وبعد إغلاق الكاتدرائيّة عام ١٩٢٩ تمّ إحراق معظم أيقوناتها ولم يعرف مصير الأيقونة العجائبية والنّسخ الثّمانيّة.

   خلال الحكم الشّيوعيّ كانت هناك كنيستان فقط في "سيربوكوف": واحدة في "سيربوكوف" والثّانية في قرية "كوزانسكي" حيث وُجدت نسخة بسيطة عن الأيقونة مرسومة بنمط "قرويّ".


دير "فيسوتسكي

   سنة ١٩٩١ عادت الحياة الرهبانية الى دير "فيسوتسكي" (Vysotsky) للرجال من جديد. سنة ١٩٩٣، تمّ رسم نسخة عن الأيقونة على النّمط البيزنطيّ وعاجلاً اشتهرت عجائبها الكثيرة. وسنة ١٩٩٥ عاد فافتتح دير "فيدينسكي" ("Vladychny Vvedensky convent) للنّساء، الّذي فيه كانت قد ظهرت أوّلاً أيقونة "الكأس الّتي لا تفرغ" وهو مكرّس لدخول والدة الإله إلى الهيكل. سنة ١٩٩٦، تم رسم نسخة عن الايقونة مع الحفاظ على الأبعاد الأصليّة. للأسف، الحجم الفعليّ للأيقونة الأصليّة غير معروف، ولكنّه من المعروف إنّها لم تكن كبيرة جدًا. هذه النّسخة محفوظة في دير "فيدينسكي" النّسائيّ وهي معروفة بعجائبها في الشّفاء من هوى السّكر والإدمان على المخدّرات والمشاكل النّفسيّة.

 

* كان هذا بالحقيقة "ميلاً إلى الكحول" يصف الحالة الرّوحيّة للإدمان. قد يُدمن المرء الكثير من الأمور الأخرى كالمخدّرات مثلاً.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share