إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
كيف يبقى الله حيًّا في كلّ حِقَبِ حياتنا رغم وجودِ الشّهوةِ في قلبِ الإنسانِ وجسدِه لتحكمَ حياتَه؟!... (و. خ.).

   سؤالٌ بسيط ومعقّد ألزمني أخٌ الإجابة عليه!!.

    "هذا القلب نجيس من يعرفه؟!"... (إرميا ١٧: ٩).

   لماذا تنجّسَ قلبُ الإنسان بعد جبله بيدِ الإله من تراب الأرض الّتي أوجدها هو نافخًا روحه القدّوس في منخريه؟!. كيف سقطَ الإنسانُ ولِمْ؟!.

   بالحريّة!، الّتي أهداها إيّاه السّيّدُ الخالقُ حين ساواه بنفسِه منذ البدء!!. فالإله لا يخلقُ إلاّ آلهةً على شبهِه ومثاله!. لكنّ الإنسانَ سقطَ بتلكَ الحريّة، بثقلها عليه!.

   لكن كيف يحمّلُ الإلهُ الإنسانُ ما لا يستطيعُ حملَه؟!...

   حمّلَ الإلهُ الإنسانَ الحريّةَ، مبدأَ التزامِ الإلهِ للإنسانِ بالحبّ!!!.

   وكان الحبُّ الإلهيُّ والحريّةُ الإلهيّة مبدأا، قاعدةَ وركيزةَ علاقةِ الإلهِ بالإنسان، بالإنجيل وبالوصيّة الإلهيّة!.

   وينطرحُ السّؤال: لماذا لم يحفظِ الإنسانُ الأمانةَ للإلهِ وللوصيّة؟!. لماذا لم يَخَفْ عِظَمُ الموهبةِ البكر، تلك الهديّة الجوهرة الّتي لا مثيلَ لها، ليُخفيَها في كيانه؟!. فجازى الإلهَ باللاّأمانة، باللاّحبّ؟!. بذبحِ الحريّةِ المطلقة الّتي أهداها الإلهُ للإنسان، صيّرَها الإنسانُ بارتدادِه عن إلهِه رهينةً في يد الشيطان!.

   ألم يكن الإنسانُ، شبهُ الإلهِ ونفخةُ روحه، مستأهلاً عظمةَ الحبّ الإلهيّ له والحريّةَ البكر الّتي منحه إيّاها الإلهُ مجّانًا؟!.

   كان الإلهُ "بحاجة" لأن يرى ويمحّصَ ترابيّةَ مخلوقِه المجبولة بروحه، لكي تعلوَ وتستقيمَ، فتبلغ الوداعة والاتضاع الإلهيّين. ارتضى الإلهُ أن يقدِّمَ ذاتَهُ عربونَ حبٍّ لا ينقصُ لصنوِهِ حتّى تتكثّرَ الأرضُ بالآلهةِ... فلا يعودُ للمعاندِ الشّرّيرِ مكانًا يتسلّلُ منه ليشوِّهَ الخليقةَ الإلهيّةَ...

   سقطَ الإنسانُ بدءًا في ذاته لأنّه لم يعلّقْ قلبَه، حسَّه وكيانَه على وجِه ربِّه معظّمه لِما قدمَه له وشاكره لِما هو ليس من عنده بل من مبدعِه!!. ارتهن الحرية لذاته وأسقطَها في كبريائه... كانتِ الحرّيّةُ الإلهيّةُ الإنسانيّةُ أكبرَ منه...

   وسقطَ الإنسانُ ثانيةً في "السّماع" المقيتِ لصوتِ الحيّة الشّيطان تهسُّ في قلبِه "إن أنت صرتَ عديلَ الله"، صرتَ الإله على هذه الأرض لتحكمَها"... وماتَ الإلهُ في قلبِ الإنسانِ وحشاه... وماتَ الإنسانُ في صمتِ الأبديّةِ... وصارَ الانتظارُ واقعَ الحياةِ قبلَ المجيءِ الثّاني...

   واستَبدَل الإنسانُ حياةَ الألوهة والحبِّ والاتضاع في كيانِهِ بنظامِ الاستكبار والأنانيّة!!.

   ما كان طاهرًا، مشعًا، نورانيًّا، نقيًّا، فرحًا، صارَ شكًا بجميع مخلوقات الأرض!!. وانسلّت الحيّة في أبدان البشر ونواياهم. خرقتْ حجابَ هيكلِ الله في جسدِ الإنسان لتمكّنَ دنسَ الشّهوة في الحسّ بدءًا وفي القلب ثانية، وفي العقل ثالثةً، واشتهى الإنسان لذائذ الحسّ فيما يطاله في جسده وعقله وقصده وقلبه فاستبدلَ الألوهةَ الّتي خُلق على شبهِها بالإبداعاتِ الّتي أسقطتْه إلى أعمق لججِ الأنا... أناه هو المخلوقُ المموّهةُ بالعتمات المميتة والشّعور بالقلقِ وحبِّ التملّك والتسلّط، فصارتْ حياتُه عبادةً لذاتِه أوّلاً وأخيرًا!!.

   وانتُسيَ الإلهُ ربُّ السّماوات والأرض إذ صَيّرَ الإنسانُ ذاته إلهًا مؤلِّهًا إيّاها في عباداتِه وحياته اليوميّة حتّى موته!!.

   وخافَ، خافَ الإنسانُ من تضاربِ مشاعرِه وانغماسِه في العتمات الكيانيّة فصرخَ من بطنِ الحوت، يا إلهي خلّصني!!!.

   وكان الصّليبُ الجواب!!! بالموت تحيا يا إنسانُ بعد أن اقتبلتَ الموتَ الّذي أوجدَتْه أنتَ طوعًا!!.

   شهوةُ الحياةِ للإلهِ اختلطتْ بشهوةِ دنسِ الإنسان في عشقه لذاته، لجسده وأجساد الآخرين!... شهوةُ أو طاقةُ الحبِّ الإلهي صارت دنسة بتدّنس الإنسان في كليّته، عقلاً، قلبًا وجسدًا!!.

   وكان عليه أن يحملَ ما يقيه موتَه المستمرَّ ووقوعه الّذي لا فكاك منه: بالوصيّة الإلهيّة واسمِ يسوع القدّوس!!!. العيشُ في الوصيّة وتطبيقُها يوميًّا حتّى تتغيّر طبيعة الإنسان من السّقوط الّذي ارتضاه لنفسه، بموت الرّبّ عنه على الصّليب ليخلّصَه مرّة أخرى ويعيد جبله إلى حياة أبديّة بجسده ودمه!!!. بالعيش في الافتقار عن ذاته لربّه وذكر اسمه القدوس بوعيه كلّ لحظة.

   صليبُ المسيح هو مغطسُ ومعموديّةُ الإنسان الجديدة يوميًّا لخروجه من أناه ولبسه ثوب المسيح أي جسده ودمه. وصليبُ المسيح أيضًا هو وصيته واسمه لقلبِ ودحض شهوة الإنسان المميتة، إلى شهوة الألوهة الّتي كانت وهي كائنة إلى الأبد.

   بالصّليبِ المغروس في أعمقِ كيانِ الإنسان يخلصُ من سمّ الحيّة، ليغسلَ الصّليب قيحِ ونتانة وتعظّم قلب الإنسان، فيصير بموته على الصّليب حيًا في المسيح وحده، للخلاص الأبدي.

   على الصّليب تولد البشريّة الجديدة من فداء الرّبّ يسوع وقيامته!.


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share