طاقة الغضب هائلة في الإنسان ونحن لا نستطيع أن نحوّلها إلا في المسيح فقط. (الأرشمندريت الياس مرقص).إنّنا عندما نصنع مشيئة الآخر بالطّاعة نكون مثل المحضونين، نستقرّ ونرتاح، وبالعكس، عندما نصنع مشيئتنا نبقى أحيانًا في نوعٍ من قلقٍ وعدم ضمان. (الأرشمندريت الياس مرقص).الإنسان متمرّد على الله كابنٍ عاق على أبيه. المطلوب الخضوع لله، فلنحرص على ذلك، فخضوعنا له هو شهادتنا للعالم. (الأرشمندريت الياس مرقص).عندما نطلب الرّحمة لنا، يحسن أن نعني تلك الرّحمة الّتي هي في العمق، أن نعني نزولها إلى أسافل جذور كياننا وادراكنا لها في أعماق إثمنا. (الأرشمندريت الياس مرقص).إن "كلمة" الله تغيب أحيانًا... يوم يصلبون المسيح لتعود وتنفجر بأكثر بهاءً وقوّة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
لماذا نصوم؟!...(...).

   "سرّي لي"...

   مبدأُ الصّومِ الأساسُ وقاعدتُهُ هو لإنفتاحِ عَينَي الإنسانِ على النّورِ الّذي اختنقَ في كيانِ الإنسانيّةِ بعد أن أخطأتْ وأثمتْ وعادتْ خالقَها الّذي كانت تحيا معه، ضيفةً عليه في ملكِهِ...

   مبدأُ الصّومِ هو الرّجعةُ الطّوعيّةُ إلى القلبِ من شرودِ عينِ كلِّ إنسانٍ، خارجَ ينبوعِ الحياةِ الّذي عمّدَهُ الإلهُ فيه ليحيا معه في فردوسِهِ...

   ما خاصيّةُ الينبوعِ الّذي استقى منه الإلهُ خالقُهُ مرّةً ليحيا، إذا قاربَهُ أيُّ إنسانٍ فيشفى من مائِهِ إن مرضَ أو عطشَ، أو اتّسخَ من وعورةِ الطّريقِ الّتي سلكَها ليمشيَها في توقِهِ إلى الحرّيّةِ البكرِ الّتي خلقَهُ الله ليحيا فيها معه في فردوسِهِ؟...

   مبدأُ العدائيّةِ أو انقباضِ الرّوحِ... كيف حصلَ حتّى أخرجَ الإنسانُ به نفسَهُ من سلامِ ودِعةِ وصمتِ حبِّ الإلهِ له أي للإنسانِ؟... النّموذجُ الأوّلُ الّذي أبدعَهُ الرّبُّ، أكانَ فيه أيُّ زيغٍ؟!... أممكنٌ التّسآلُ هذا؟!...

   الإلهُ أبدعَ الإنسانَ من نَفَسِ روحِهِ، من حسِّ روحِ كيانِهِ، من أناه الإلهيّةِ، من كليّةِ كمالِ الفردوسِ الّذي يحيا فيه معه، ومنه مخليًا إيّاه عن المساءلةِ، لذا ابتعدَ الإلهُ عن حركةِ الإنسانِ ومراقبتِهِ، حتّى يتنقّلَ من حرّيّةٍ إلى حرّيّةٍ كيانيّةٍ تلامسُ وَجْدَهُ إلى خالقِه، إلى مصدرِهِ إلى حرّيّةٍ يحياها في ملئِها مع الآخر...

   هكذا حاكى الإنسانُ الإلهَ، وإذ لم يلقَه قيدَ إصبعِهِ يجيبُهُ سؤلَه، يصرخُ في أسماعِهِ: أُريدُكَ معي، فيَّ كلَّ لحظةٍ... تجيبُني، تحاكيني، أين أنتَ يا خالقي... لماذا تخلّيْتَ عنّي؟!. لماذا تركتَني وحدي؟!... زَهِقَتْ روحي...

   طبيعةُ الإلهِ... الصّمتُ!!...

   لماذا تسائلُني يا "بنيَّ"... يا "إبداعي"... يا "أنايَ"؟!... يا "جزئيَ" الخارجَ منّي، عنّي والرّاجعَ إليّ... لماذا تناديني منادةَ القفرِ وأنت في عشبِ قلبي أسقيكَ دمي ودمعي؟.

   "أتحبُّني" يا إنسانُ؟!... "لماذا تسائلُني" ألا تعرفُ حركةَ قلبي؟!.

   ما العملُ سيّدي؟!... "صُمْ" يا آدمُ بدءَ خِلْقَتي...

   "صُمْ" عن عماكَ... "صُمْ" عن ضياعِكَ في ذاتِكَ.

   ذاتُكَ أبعدتْكَ عنّي... أتركْ ضياعَكَ في أناك وتعالَ "صُمْ" إليّ بصومِكَ عن فكرِكَ، حسِّكَ، قلبِكَ، شكِّكَ، وتسآلِكَ عنّي وأنا فيكَ... "صُمْ" عن أكلِكَ التّرابَ ودودَ الأرضِ...

   "صُمْ" يا بنيَّ إليَّ، أصُمْ أنا عنكَ إليكَ.

   "صُمْ" لأنّكَ في خلوةِ صومِكَ عن الأكلِ، عن طعامِ التّرابِ، تبدأُ بأكلِ حبّي معكَ، لكَ وإليكَ فتموتُ شهوةُ الموتِ التّرابيّ من أكلِكَ أدامَ الأرضِ، فتأتيَني واقفًا تحت صليبي.

   لا تطلب الغرقَ في خطيئةِ وجودِكَ بعيدًا عني، بل تحت صليبِ حبّي لكَ، تقتاتُني جسدًا ودمًا مكلّلَين بالحبِّ، بالرّحمةِ، بالعطاءِ، بي...

   فتعودَ إليَّ في الصّومِ... في الحبِّ... وإلاّ فلا!!...


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share