<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
الأم مريم!... اتصلتُ بكِ منذ بضعة أيام ولم أكشف لا صوتي ولا هويتي لأنّي خجل من نفسي!! أنتِ تعرفين قصّتي منذ زمان بعيد!! طلبتُ الحياة الرّهبانيّة، لكن قذفتني أهوائي إلى العالم وتخصّصت بالعلوم العاليّة وتزوّجت!.. أحيا قدر ٱستطاعتي مع الرّبّ وزوجتي وأولادي الثلاثة، لكنّي أمرّ بحالات من القنوط واليأس القاتلين ثم أنتفض لأُكمل خدمتي للعائلة!... أمي لستُ سعيدًا وكأنّي خظئت والرّب يقاصصني الآن؟!...(ربيع م.).

     "إن كنتَ للآثام راصدًا يا ربّ يا ربّ من يثبت فإنّ من عندك هو الاغتفار" (مزمور 130:3)؟

     يا بنيّ الرّبّ لا يقاصص!! هو أتانا حاملاً خطايانا عنّا ليخلّصنا من آثار السّقوط الّذي ارتضيناه نحن لنفوسنا، بملء إرادتنا!!. وفي وعينا هذه الحقيقة وتوبتنا نخرج إلى حريّة أبناء الله مجدّدًا!..

بهذه الحريّة، نختار حياتنا ومسيرتنا!! أنريده لنقدّم له كلّ ما أعطانا قائلين بخشعة حسّ، "الّتي لك ممّا لك أقدّمها لك على كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء"؟ هذه حياتنا بين يديه هو خالقنا ليجبلها أو ليعيد جبلّتها كما هو يريد لخلاصنا، أو نتمسّك بملء إرادتنا لنصنع حياتنا جابلينها نحن كما نريد، وإذ يبلغنا الغمّ والسّقوط بالحزن والارتباك واقتراف الموبقات، نعود إليه صارخين:"لماذا تكافئنا هكذا ماذا صنعنا؟!... أنظر الّذين يحيون في الخلاعة والتهتّك والسّرقة كيف يُكافؤون غنى وبحبوحة وإلخ..." ويجيبنا بحنان جرحه علينا: "يا بنيّ أتريد أنت أن تأخذ أجرتك في هذا العمر و"لعازر" أخذ بلاياه وأجرته في الحياة الأبدية"؟؟.

     لنعد إلى سؤلِكَ الأوّل...أنت لم تكافئ نفسك بالجائزة الكبرى يا "ربيع" الّتي قدّمها يسوع لكَ يوم دخلت الدّير طالب رهبنة لتختبر نفسك!!. لم تقبل الأعراف الرّهبانيّة ولا الطاعة ولا المحبّة ولا قطع المشيئة ولا التزمت الأصوام والصّلوات فكيف تثبت يا بني إن كنت أسكنتَ فيكَ المغتصب ولم تحاربه؟!.

عُدْ إلى حبّك الأوّل ليسوع!!... وهذا لا يعني أن تترك عائلتك بل عش كراهب في بيتك...هذا لن يمنعك أو يحرمك أحدٌ منه!! بعد زواج ابنتك انتقل إلى غرفتها واجعلها إن كنتَ تطلب بالحقيقة الخلوة مع ربّك، منسكًا أو قلايّة لكَ!..

قم إلى صلواتك في الليل، فأنا أعرفك منذ عشرين سنة وأكثر، تحب القيام إلى الصّمت والصّلاة!! وهذه الصّلاة ستفتح لكَ أبواب ملكوتك الدّاخليّ بدءًا، ومن هناك، من لحيظات صمتك سيدخل يسوع بنوره قلبك، يريك خطاياك واحدة فواحدة... فقط عليك أن تقبل كلّ ما ترى وتجاهد للتخلّص ممّا تجده من زَفَرٍ في نفسك!!.. سيضعك ربّك على نار غالية فوق قدر لتطفو على السّطح كلّ الأوساخ الّتي سيقذفها اليم إلى الشاطئ!!.

أنت عليك فقط، أن ترى، وتبدأ بلملمة ما هو أمامك لتفتّقه بلا مواربة أو تمويه فتبدأ بالنّوح على قذارة داخلك!...

لا تنس أنّ يسوع بدل أن تقدّم له اللآلئ لو ثبتّ، فإنّك تجازيه الآن على كلّ ما أعطاك برمي القاذورات عليه، لكنّه وحده الطبيب الشافي والجرّاح الّذي سيقطع الأورام الخبيثة الّتي فيك إربًا إربًا ويلقيها مجدّدًا في البحر حتّى لا تعود إليك لأنّ أسماك الغور ستأكلها!.

ملاكك الحارس سيسير معك هذه الرّحلة الجديدة القديمة!!

لا تجزع، لا تخف، لا تقل إنّي لست بهذا الضعف أو القرف... فقط سرْ على هدي ما يقدّمه إليك السّيّد!! وبعد فترة من الثبات في الصّلاة اليوميّة، ستبلغ حدًا في هذا التعامل مع ذاتك أمام الرّب، حينها سيكافئك سلامًا عميقًا لن يُنتَزَع منك فتعوّض ما افتقدته يوم غادرته، إذ وضعك في الدّير!!.

     أترى يا بنيّ كم ربّك حنّان عليكَ وعلى كلّ واحد منّا؟!

     لا تقدّر مدى فرحي الرّوحيّ العميق وامتناني ليسوع أنّه عاد وافتقدك لترجع إليه رجعة الإبن الشاطر ليكلّلك بالنّعمة والسّلام والفرح!!. أنت الّذي عدت إليه من قنوطك وحزنك!.

     لا تنسَ يا "ربيع" أن تكون القدوة الصّامتة الصّالحة أمام زوجك وأولادك، في كلّ ما تقول وتفعل وتفكّر به ووالدة الإله الّتي كنت وما زلت تحبّها شفيعتك إلى ملكوتك الجديد.                           


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share