بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
هل النّفوس بعد الموت في حالة انتظار لمجيء المسيح الثّاني؟ هل تخضع لحكم الوقت؟ وهل الّلاوعي الّذي يتحدّث عنه الفلاسفة هو الرّوح أم هما قوّتان مختلفتان؟ وإن كان هناك اختلاف، كيف ننقّي لاوعينا من ملوّثات ماضينا الأليم؟....(إبراهيم ق.).

     يا إبراهيم، سؤالك هذا مهمّ وكذلك متشعّب. لكنّي سأُجيبك عليه الآن إذ نحن على مشارف الإطلالة المنتظرة طويلاً للدخول إلى أورشليم في الشّعانين، ثمّ التّدرّج يومًا فيومًا لعيش مسيرة ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح إلى الصّليب والقيامة!.

     كلّ الّذين عرفوا السّيّد الرّبّ يسوع المسيح إلهًا وهم ما زالوا في الجسد على هذه الأرض، وعاشوه وبشّروا باسمه القدّوس بالقول والفعل والفكر، لا تموت نفوسهم، بل تنتقل بالموت المحيي إلى حياة أبديّة!!. ماذا قال الإله المعلَّق على خشبة الصّليب للصّ عن يمينه حين أعلنه ربًّا وإلهًا: "اليوم تكون معي في الفردوس"!!. لصّ اليمين يمثّل فئة من المؤمنين الّذين تابوا إذ أحسّوا بالإله بعد جحيم سقوطهم الّذي عاشوه في كيانهم... أمّا بقيّة الموتى فالكنيسة لا تفصّل كثيرًا هذا الأمر. لكن الآباء الأبرار في كنيستنا حكموا أنّ النّفوس تبقى منتظرة ولو آلاف السّنين، حتّى تسمع صوت البوق العظيم معلنًا مجيء الرّبّ الثّاني ليدين البشريّة ويفرزها "خرافًا" عن يمينه، أولئك الّذين أحبّوا الرّبّ وامتدّوا إلى الفقراء والمتعَبين والمضنوكين والخ... ليساعدوهم باسم المسيح و"الجداء" عن يساره، أولئك الّذين عاشوا تنعُّمهم في هذه الحياة الدّنيا، إلى دينونة، لأنّهم كانوا أنانيّين طمّاعين مستفردين بمجدهم وغناهم تاركين مَن حولهم يرتعون في الشّقاء والآلام...

ويردف الآباء أيضًا أنّ الآباء أقرّوا أنّه بصلوات حارّة، وقداديس وعطاءات للفقراء وجنانيز يُفتدى بعض الأموات حتّى ولو كانوا قد شردوا في حياتهم الأرضيّة عن الإله!!.

     أمّا الّلاوعي فهو ليس الرّوح قطعيًّا!!. الرّوح نفخة الحياة المطلقة الّتي يحيا بها الإنسان منذ ولادته، إذ هو عطاء الرّبّ للتّراب الّذي جبل به جسد الإنسان!!. الرّوح هي طاقة الألوهة الّتي تجعل الإنسان يعرف فيها أنّه مولود على صورة الله ومثاله، فيتمّ سعيه طول العمر لملاقاة ربّه في كلّ عمل يقوم به لإرضاء خالقه والاقتراب منه في حياته ليتّحد به!.

أمّا الّلاوعي فهو المخفيّ في باطن عقل ونفس الإنسان... يلتقط من سير الحياة اليوميّة خواصها، وإذا لم يعبّر عمّا يحيا ويرى وما يودّ الإفصاح عنه يرمي ويغيّب ذاك المخزون في الباطن، في الّلاوعي، الّذي إذا دخل في حركة الإيمان الحقيقيّ المحيي بالصّلاة والصّوم والإرشاد والاعتراف تخفّ وطأته عن التّأثير في سلوك الإنسان الواعي!.

     وإذ نصل إلى النّقطة الأخيرة، أُشدّد على فكرتَين... منذ سقوط البشريّة بآدم وحوّاء عن الإله وطردهم من فردوس النّعيم!. حمل الإنسان خطيئته، زاده ليحيا به في العالم وينمّيه بممارسة وعيش جميع الموبقات والأهواء والخطايا الّتي رسمها الآباء وحدّدوها لنا... الحياة المسيحيّة بسيطة جدًّا للّذين يؤمنون ويسمعون ويطيعون آباءهم ومرشديهم... حتّى الّذين لا يقرأون يجاورهم دومًا ملاكهم الحارس ليفتح عين قلوبهم ليروا النّور في ما يرون والظّلمة تاليًا فيختاروا النّور. لذلك قال الرّبّ لتلاميذه: "أنتم نور العالم"...

     فإذا أدرك كلّ مسيحيّ مؤمن، أن عليه أن يصيرَ هو نور العالم الآتي من نور الرّبّ، لينير الطّريق الطّويل، له وللّذين يسيرون معه، يصبح مسؤولاً، لا عن نفسه فقط، بل عن كلّ إنسان. بكلّ تصرّف أوصى به السّيّد في كتابه المقدّس وما درج عليه الآباء من تعاليم وخبرات معاشة بالنّعمة النّازلة من العلى عليهم والمغذّيتهم بالرّوح القدس.

     كشف الفكر والنيّة وحركة القلب والجسد هما الوسيلة لتنظيف بيت نفسنا بالاعتراف الصّادق البسيط الكلّيّ الّذي يُساعد كلّ إنسان على التّنقّي بالطّاعة لكلمة الكاهن، الآتيته من لدن الرّبّ وصلواته فيحيا ببساطة ويصير لاوعيه وعيًا نورانيًا.

     "ليس مخفيّ إلاً سيكشف"، فلم الانتظار إلى يوم الدينونة؟!. بالكشف يُخرج الإنسان نتنه كلّه ليلبس المسيح الرّبّ في ضياء قيامته فيفرح ويتغذّى من ذلك الفرح الإلهيّ البسيط ومن النّور الّذي لا يغرب ليحيا هو في النور مستقياً يومياً من نور الإله الّذي لا يغرب ولا يعتريه مساء.


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share