الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
كيف باستطاعتنا قبول الألم، في حياتنا، الّذي لا بدّ لهذا الجسد من أن يمرّ به، أي آلام النّفس والجسد؟!...(مجموعة من المؤمنين).

    ويتساءل الإنسان: لماذا الألم؟! وكأنّ عليه أن يتألّم بالضّرورة؟!...

     هل هو من الله؟!... هل هو قصاص؟!...

     كيف نتعاطى الألم، إذا كان هذا هو واقع الإنسان، ومن طبيعته؟!...

     موضوع الألم هو من موضوع حياة الإنسان، بعد ولادته على هذه الأرض... والرّبّ يسوع المسيح أخذ قسطه من الآلام، الّتي تكبّدها بجسده على الصليب، من أجل خلاص البشريّة واستردادها إليه، بعد أن سقطت بالابتعاد عنه... لذلك، علينا ألاّ نُفاجأ، إذا ما تعرّضنا للآلام طول أيّام حياتنا في الجسد!!

     كيف نتعاطى الألم؟!...

     إذا قبلنا الألم، فإنه يقرّبنا من الصّلاة، ومن البحث عن الإله، الّذي يساعدنا حتّى نتخطّى آلامنا... هكذا، نعود إليه! فالألم يُعيدنا إلى الله!...

     الألم يرقّق النّفس، ويحطّ من كبريائها وافتخارها بأنّها كاملة، ولا تتعرّض لأيّة محنة، في هذا العمر؛ ليصل بها إلى معرفة حقيقة ضعفها وهشاشتها؛ فتتّضع بالألم... تلجأ إلى الله، أو تحاكمه (!)، لأنّه سمح لها بأن تتألّم!!!

     الألم يجعلنا شركاءَ المتألّمين مثلنا، ويحثّنا، بل يُخرجنا من ذواتنا؛ لنساعدهم، مادّيًّا، أو نفسيًّا، أو روحيًّا، بحسب حاجاتهم...

     الألم يفتح عيوننا على حقيقة هذا العالم الزّائف الزّائل، وبطلانه!! وبطلان كلّ إغراءاته الّتي تُبعدنا عن الحقيقة الأولى والأخيرة، ألا وهي أنّ الرّبّ يسوع هو البداية والنّهاية، في الكلّ وللكلّ، وأنّه هو الحياة!!!

     الألم يذكّرنا بأنّ الموت هو نهاية هذا الجسد الفاني، ويدفعنا إلى العمل على اقتناء الرّوح الإلهيّ، وعيش الحياة الرّوحيّة الّتي لا تفنى انطلاقًا من أجسادنا!!...

     الألم يجعلنا نتّجه نحو الرّبّ وكنيسته، لنسأل عن غوامض أمور الحياة الجسدانفسيّة والرّوحيّة؛ لنتعلّق بالأهمّ... أي بكلمة الإنجيل... بالصّلاة، والصّوم، وتطبيق الوصايا... لأنّ الإنسان يحتاج إلى درع، يقيه غوائلَ* العدوّ وسهامَه... والدّرع، في هذا العمر، هو:

     أوّلاً، الصّلاة: تخصيص وقت يوميّ للرّبّ، خالق الكون وخالقنا، من أجل شكره؛ لأنه عرّفنا وجهه، فالتجأنا إليه بإرادتنا... مثلاً:

     * صباحًا، صلاة النّهوض من النّوم... مزامير السّحر... قراءة مقطع من الكتاب المقدّس (العهد الجديد وكتاب الرّسائل)...

     * صلاة المسبحة أو صلاة القلب: "ربّي يسوع المسيح، يا ابن الله الحيّ، ارحمني، أنا الخاطئ"... نستطيع أن نردّدها طول النّهار بالشّفاه، أو في القلب، فيما نعمل في بيوتنا، أو مكاتبنا، أو مع أولادنا في عائلاتنا... والمستحبّ تلاوة المزمور الخمسين ظهرًا، وهو مزمور التّوبة!

     * صلاة الغروب وصلاة النّوم...

     * قراءة المزامير، مساء، وبعض الكتب الرّوحيّة... والابتعاد، قدر الإمكان، عن تضييع الوقت قدّام شاشة التّلفزيون، أو في السّهرات المملوءة بالأخبار والثّرثرة، لنملأ الفكر بالتّشويش، والقلب بالاضطراب...

     ثانيًا، الصّوم بمعرفة... لا عن الأطعمة فقط، بل عن كلّ الأهواء الّتي تحارب الإنسان، كالكذب، والسّرقة، والزّنى، والقتل، والاحتيال، والإدانة، والنّميمة، والوقيعة، وحبّ المال، وحبّ المراكز، والكسل، والتّعلّق بالمادّيّات!! بالإضافة إلى المبالغة في اللّباس، والتّزيّن الجسديّ، وتزيين المنازل، وحبّ القنية، أي العمل على تجميع الأموال في المصارف، أو حبّ الاقتناء الّذي يتخطّى الضّرورة (كاقتناء السّيّارات، والمنازل، وغيرها)...

     ثالثًا، العطاء بمعرفة:

     * مشاركة الفقير في ما نجمع... فإن أكرمناه، يكرمنا المسيح، لأنّ الرّبّ يسكن في كلّ فقير، وقد قال في إنجيل الدّينونة: "تعالوا، يا مباركي أبي، رثوا الملك المعدَّ لكم منذ تأسيس العالم؛ لأنّي كنتُ جائعًا فأطعمتموني" (متّى25: 34 – 35)...

     * تبنّي أعمال الخير تجاه المرضى، والأيتام، والأرامل، وبيوت العجزة...

     * مساعدة النّاس من خلال مدّهم بالمادّيّات الّتي يحتاجون إليها، بالإضافة إلى كلمة الرّبّ من الإنجيل... أي ممارسة البشارة حيث توجد تجمّعات بشريّة، وإرشادهم إلى الحياة الرّوحيّة.

     * التّعاون مع الكاهن، في الكنيسة؛ لخدمة المذبـح، كما هو يقـرّر...

     هكذا، تسكن الرّوح مع الرّبّ، والفكر كذلك؛ فيبدأ الإنسان المؤمن بتبنّي نظرة جديدة إلى واقعه، وحياته، وآلامه، والآخرين... بالصّبر، وطول الأناة، والحبّ... ويشرع بقبول الألم، بل يفرح به؛ لأنّه يصبح، بالنّسبة إليه، عطيّة من الله، تذكّره دائماً بخالقه؛ فيطلب منه الشّفاء إذا أمكن... وإذا لم يصل، بعد، إلى مرحلة الفرح بالألم؛ فعلى الأقل يقبله، كأداة تطهيريّة للشّفاء من الخطايا، وللدّخول في سرّ الفداء مع الرّبّ يسوع من أجل خلاصنا، نحن البشر السّاقطين، بصليبه... ثمّ الانتقال إلى القيامة المحيية المجيدة، بالحياة الكاملة معه، وقبول كلّ ما يرسمه لنا، في حياتنا؛ فنقول: "إن عشتُ، فللرّبّ أحيا؛ وإن متُّ فللرّبّ أموت؛ فإن عشتُ، وإن متُّ، فللرّبّ أنا" (رو14: 8).

* غوائل العدوّ: شرّه وفساده.                                                      


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share