بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
أمّي مريم... صومٌ مباركٌ وحقيقيٌّ لكِ ولعائلةِ الثّالوثِ القدّوس ولكلِّ من ترشدين بالإيمانِ والحبِّ إلى يسوعَ الحقِّ... فسّري لي ولنا المشابهةَ بين... الرّياءِ والمراءاةِ والرّؤيا؟!... (ابنكِ وصحبه ر.م. وج. ل.).

   قالَ "نثنائيلُ" الإسرائيليُّ الّذي دعاه "فيليبُّسُ" تلميذُ يسوعَ المسيحِ: "إنّ الّذي كتبَ عنه موسى في النّاموسِ والأنبياءُ قد وجدناه وهو يسوع"... وأطلَّ يسوعُ قائلاً: "هذا إسرائيليٌّ لا غشَّ فيه"... "مِن أين تعرفُني؟". فأجابَ يسوعُ نثنائيلَ... "وأنتَ تحت التّينةِ رأيتُكَ"...

   "الرّياءُ" يا أحبّةُ يتأتّى من عدم التّصديقِ بدءًا، وتاليًا من عدمِ معرفةِ حسِّ القلبِ، الّذي هو من نفحةِ ونَفَسِ الرّوحِ القدسِ، بل التزامِ مبدأ تحدّي الآخرِ لإخضاعِه لمآربِهِ...

   عندما يدخلُ الإنسانُ في الانتماءِ إلى عقلِهِ واستنباطاتِهِ لتصديقِهِ بدءًا، مفضّلاً إيّاه على حسِّ قلبِهِ، يقعُ في الخطيئةِ الأولى وهي "الشّكُ"!!... يزولُ اليقينُ الّذي من محبّةِ الآخرِ ليقعَ في عدمِ البساطةِ في رذلِ الآخرِ، لأنّ الآخرَ يبقى "ذاكَ الغريبَ"... الّذي لا أعرفُهُ، تاليًا... يبقى من الممكنِ أن يكونَ لي عدوًّا ويريدُ أن يستغلَّني، وربّما ليتسلّطَ عليّ، ليأخُذَ ربّما مالي، ليسرقَني وما ادّخرتُهُ، مركزي، اسمي... فيبعدَني عن معتقدي ويصيّرَني عدوًّا له... إذًا فلأُبادرْهُ أنا بحسِّ نفسي وأُرِهِ أنّني أنا أعرفُ مقاصدَهُ الرّديئةَ فأدحضَ معرفتَهُ لا بالاتّكالِ على الله بل بيقيني الخاطئِ والمدّعي، لأنّي لا أؤمنُ بذاك المتكلّمِ معي، تاليًا، لا أحبُّهُ...

   هذه هي صورةُ ووجهُ السّقوطِ في كلِّ إنسانٍ ولدَ بعد السّقوطِ ولو من إرثِ الله لعائلةٍ تقيّةٍ، تاليًا في مجتمعٍ "كنسيٍّ"...

   "من هو الحكيمُ؟... من هو مفاعِلُ هذا الدّهر؟!"...

   الرّياءُ يا أحبّةُ هو الخبزُ اليوميُّ لحياةِ بعضِ النّاسِ!!.

   فالإنسانُ النّبيهُ الذّكيُّ هو الّذي يغلبُ في مجتمعٍ بنى قيَمَهُ على الرّبحِ، والغنى وعلى التّسلُّطِ والادّعاءِ وعدمِ البساطةِ والنّقاوةِ ومحبّةِ الله والآخرِ...

   المهمُّ الأهمُّ، أن يبدأَ كلُّ فردٍ من المجتمعِ الّذي يعرفُ يسوعَ المسيحَ، والمسمّى باسمِهِ، أن ينزلَ إلى عمقِ أعماقِ قلبِهِ ليجدَ فيه هناك ضميرَهُ... الّذي يتكلّمُ في أذنِهِ حتّى لو غابَ عنه التّعليمُ منذ صغرِهِ... مثلاً أعطيكم ... هؤلاء الأطفالَ المشلوحين في الطّرقاتِ صيفًا وشتاءً للاستجداءِ... ماذا تعلّموا من أهلِهم؟!... من سماعِ كلمةِ الأدبِ الّتي تجعلُنا بدءًا مواطنين مخلَّصين في مجتمعٍ نريدُهُ بالسّماعِ والرّؤيةِ أمامَنا من أهلِنا، مجتمعًا نحيا فيه لنصلَ عبرَهُ إلى معرفةِ وعيشِ القيمِ الإلهيّةِ كلَّ يومٍ من أيّامِ حياتِنا لنورثَها للأجيالِ الّتي ستتبعُنا...

   المشكلةُ يا أحبّةُ أنّ الإنسانَ في عائلتِهِ حتّى لو كانت عائلتُهُ مسيحيّةً، غالبًا ما يُربّى على الأنانيّةِ ولو بين إخوتِهِ وأقاربِهِ، فيصيرُ الكلُّ مجموعةً متراصّةً من الطّمعِ والاستغناءِ عن الآخرِ لوصولِ كلِّ إنسانٍ إلى مآربِهِ إذ يحقّقُ أناه على حسابِ كلِّ من حولِهِ حتّى والدَيه... المهمُّ أن ينجحَ هو، وأن يربحَ هو، حتّى لو داسَ كلَّ من حولِه والقيمَ الإنسانيّةَ الّتي عرفَها بالسّماعِ أو رُبِّيَ عليها في منزلِهِ...

   وإذ لا يجدُ الإنسانُ مبتغاه في الجماعةِ الّتي ليست من ولهذا العالمِ، فإنّه، وللوصولِ إلى حقِّهِ، كما هو يراه، يبدأُ بالكذبِ والاحتيالِ والمداهنةِ والتّمثيلِ ليحصلَ على كلِّ مطلبٍ له مشروعٍ أو غيرِ مشروعٍ... وكلُّنا يعرفُ أنّ الإنسانَ متى كذبَ ونجحَ أوّلَ مرّةٍ، فإنّه يستمرئُ ويستحلي ذاك ليلجأ إلى استنباطِ الحيلِ الكثيرةِ للاستزادةِ ممّا يظنُّهُ "الحقَّ" له هو...

   ولكن في لحظةٍ ما، يتدخّلُ الإلهُ الّذي يسكنُ في القلبِ والضّميرِ البشريَّين... لأنّ الرّبَّ قالَ: "أنا أريدُ الجميعَ أن يخلصوا وإلى معرفةِ الحقِّ يُقبلوا" (١تيم ٢: ٤)...

   من هنا يبدأُ الإلهُ بالعملِ لاستعادةِ جبلّتِهِ... بالحبِّ، بالحنانِ، بالكلمةِ، بالتّأديبِ، بالمرضِ، بالألمِ، بالتّجاربِ، بالضّيقاتِ، بالحروبِ وإلخ... إلخ...

   الإلهُ الحقُّ لا يرضى لأيِّ مجتمعٍ، أن يحيا ويموتَ من دون التّعرُّفِ إليه...

   عندها يُرسلُ للتّعليمِ والاستفادةِ بعضَ القدّيسين ليحيوا، ثمّ ليعلّموا في أوساطِهم حتّى يتوبَ الجميعُ...

   المرائيُّ كذابٌ والرّبُّ سمّى الشّيطانَ الكذّابَ وأبا الكذّاب...

   المراءاةُ هي حياةُ الكذّابِ الّذي يحيا ويُفبركُ كلَّ كذبةٍ ليُفحمَ الآخرين بسطوةِ معرفتِهِ حتّى يخضعوا له وإن لم يفلحْ، فإنّه في آنٍ يكذبُ وفي آنٍ آخرَ يكذبُ على ذاتِهِ والآخرين، يفتعلُ الصّدقَ وهو يكذبُ... ذاكَ هو المرائيُّ.

   أما "الرّؤيا" فهي هديّةُ الرّبِّ للإنسانِ... لأنّ الإنسانَ الرّائي يكونُ قد عاينَ الإلهَ... منه يغرفُ حتّى يبذرَ روحَ الإلهِ في كلِّ عملٍ وفكرٍ وعيشٍ على الأرضِ، وبعد ذلك، يبدأُ بالبشارةِ والتّعليمِ، حاثًّا الجماعةَ كلَّها أن تحيا لكلمةِ الإلهِ في كلِّ مقصدٍ وفكرٍ وعيشٍ مستنيرين بِسِيَرِ القدّيسين الرّائين بعد الإنجيلِ...


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share