<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
نحن شعب الله العادم المعرفة والحجّة، نسألك يا أمّنا... من هو بطريكنا الجديد؟!... (أولادك بالرّوح).

إلى بطريركنا يوحنّا (يازجي).
*** رسالة مفتوحة ***


     ”من هو الإنسان حتّى تذكره؟! أو ابن الإنسان حتّى تفتقده؟! أنقصته قليلاً عن الملائكة. بالمجد والكرامة كلّلته وعلى أعمال يديك أقمته!!“ (مزمور 4:8-6).

     هذا هو بطريركنا الجديد!!! جواب لوعد الله لنا: ”أن سأرسل ملاكي ليسير أمامكم ويحفظكم، فلا تعثر بحجرٍ رجلكم“ (متى 10:11) (مزمور 11:90-12).

     من حافظُنا؟! الإنسان؟! لا!!... بل روح الرّب القدّوس السّاكن في كلّ نفس حيّةٍ، والآن نصلّي أن لا يغادر الرّوح بطريركنا هذا الجديد!!.

     هذا البطريرك الشاب ”نوعًا ما“، المختار من الله ليَحكُم ويُؤدِّبَ بروح الرّب!! ليُعلّم ويعظ، ويرجع إلى فراشه ليلاً محاسبًا نفسه: أين أخطأتُ يا ربّي؟!.

     هل آذيتُ أحدًا ظالمًا إيّاه؟! هل رَدَدْتُ من أمام باب مسكني فقيرًا ولم أُطعِمْه، مظلومًا ولم أُنصفه؟!.

     هل حابيتُ وجه أحدٍ؟! هل تَمَلَّقْتُ أصحاب المال والسؤدُدِ؟! وأنا الآن في جلستي أجمع إلى ربّي كلّ المتفرّقات حولي!.

     هل أنصفتُ، وسأنصفُ كلّ من يأتيني طالبًا عونًا من عند الإله فيّ؟! هل سأُبعد الفقير والمريض، ليحلّ طاقمي أمرهم؟؟!.

     هل سأصيرُ، يا سيّدي وإلهي، بكَ وحدكَ، ”أبًا“ لكلّ مساكين شعبي؟! و”أُمًّا“ لجميع التائقين إلى عطفِ ودفء أمومة الأمّهات، الّذين فقدوا حشا مريم ليحملهم إلى معرفة ابنها السّاكن مع كلّ من يرتاح جديدًا للولادة فيها أخًا؟!.

     هل سأصير أخًا لكلّ طالب عونٍ؟! هل سأسمع أنين البائسين؟! وشعبي صار كلّه بائسًا!!! ربّي أأستطيع؟!.

     وتتنزّلُ الدّموع الحيّة الخارجة من ينبوع جنب المسيح المطعون بحربة، لتسقي ألم عينَي سيّدنا الجديد وهو الّذي بكى صباه حتّى كادت عيناهُ تفقدان نور الصّباح... لكنّ الرّب يسوع المسيح رحِمَهُ فاتحًا عيني قلبه بدءًا ثم بصره وبصيرة قلبه ليُحبّ، ويتبنّى الإيمان والمؤمنين في كنيسته ولو تغرّبوا!!.

     وبالحبّ هذا المتنزَّل عليه من فوق، أحبّ وعاش مصلوبًا!!.

     والآن يؤتينا ربّنا آية من عنده!.

     رجلٌ من معدَنِ رجولة الرّب القدّوس!! قصبةً مرضوضةً لا يقصف وفتيلاً مدخّنًا لا يُطفئ!!...

     لا يُسمع صوته في السّاحات!! لأنّه لا يصرخ إرادته، بل يُطأطئ الرّأس أمام المشيئات العلويّة وحتّى البشريّة ليَفحصَ كُنهها، هل هي من عند الملك، حتّى يفتح الأبواب لاستقبالها.

     هذا الإنسان كما عرفته لم يطلب أن يُعرف كثيرًا من أولياء هذا الدهر، بل من خاصة المسيح وشعبه المقهور وكنيسته الميتّمة!!.

     جاع إلى الحق في قبوله التعييرات والطردَ وإعلاءَ الخطأة عليه قائلاً: ”أنا لربّي وربّي إلي“!! بكى خطيئة الخطأة ولم يحاسبهم أو يحاكمهم أو يجازهم إلا بالدّمعة والقولة: ”ارحمني يا الله كعظيم رحمتك... وكمثل كثرة رأفاتك امحُ مآثمي... إغسلني كثيرًا من إثمي ومن خطيئتي طهّرني، لأنّي أنا عارفٌ بإثمي وخطيئتي أمامي في كلّ حين“ (مز 1:50-3).

     قبِلَ الإنسلاخ عن بلاده وانشلع قلبه مع المـتألّمين، لأنّه كان هو حاملاً ختم الآلام في جسده! في نفسه، روحه والكيان!!.

     واتكأ... نعم اتكأ على رحمة ومحبّة من تبنّوه، المحيطين به، من خاصته إخوته بالرّوح وأولاده أصدقاء الرّب، الملائكة المُرسلين ليسقوه جرعة ماء في حريق شمس ورمال الصّحاري ولقمة قربان الجسد الإلهي ليحيا به!.

     لا شك أنّه تعرّض في خدمته الرّعائية لأوقاتٍ صعبة، لكنّ الرّب انقضّ عليه بحبّه له كاشفًا له الحقائق الموجعة الّتي علّق نفسه عليها، فانتفض بقوّة واقتدار الصّلاةِ والرّوح القدسِ السّاكن فيه، ليتوب عائدًا إلى فقر إلهه ومسيحه في المذود وبين النّاس، غير معروف إلاّ من الّذين اختارهم ربّهم ليحملوا عنه ومعه صليب مجده.

     أَنَحن الآن في نور القيامة، يا سيّدنا يوحنّا؟!.

     والإجابة تأتينا، في هذا العمر، ونحن حاملون هذا الجسد برّقة من أَحبَّ إلهَه مصلوبًا لا صالبًا!! مُطعِمًا، لا آكلاً لقمة الفقراء المغمّسة بالدّمع ودم الشهادة!! راكعًا في زوايا بيوت الصّلاة، لا وجه له ولا معرفة بكَ حتّى تُجيرَه ولا اقتدار له حتّى يخرق ترتيبات هذا العالم فيأتيك باكيًا شاكيًا خِزْيَه من ذاته وحياته!.

     كنيستُكَ المشلّعة النّازفة بخور وطيب إيمان المؤمنين، أدعيةً أن تصيرَ يا أبانا وأخانا، سيِّدنا، بحقٍّ مِنْ تَجَسُّد الطفل في مذودٍ، لأنّه لم يجد له مكانًا في هذا العالم يُسنِد إليه رأسه.
يا سيّدنا!! تعاطَ مدائن العالم كأنّ لا معرفة لكَ، فيكَ وعندكَ، بإزائها، إلاّ ما كتبه يسوع المسيح في وصاياه!!.

     ليكن حقُّ الإنجيل والكلمة حقَّكَ ولو أَغراك وأَغواك كلّ شياطين العالم، لتُسْلِمَ الأمانة الّتي اؤتُمِنتَ عليها!!.

     أنتَ لا أرضَ لكَ ولا مدينةَ تنتمي إليها ولا هويّة!! مدنُ العالم ليست مدن إلهكَ المجرّح!!.

     هويّتك مدينتك أورشليم العلويّة الأرضية الّتي تبنيها منذ اليوم من حجارة إيمانك، صلاتك، والدّموع، أنت وكلّ شعب الرّب الإله في كنيستك هنا والعالم! الّذي نصلّي له ولا انتماء لنا فيه!!.

     عالمُكَ، كنيستك وعائلتك مولودون ومُفعّلون كلّ يوم من وحدة الثّالوث القدّوس!!.

     يا سيّدنا، احملْ الوديعة ”جوهرة“ حياة الرّب، حياة لكلّ شعبك وانثر فضيلة صِدْقِ يسوع المسيح فيكَ مُشِعًّا، ليَظهَرَ هو بنوره، نورًا فيك، وداعة مسلكٍ، وصمتَ معرفةٍ وصلاة توبةٍ ليعودَ الكونُ إلى إلهكَ!!.

     أنتَ تأتينا نور إصباح والعالم كلّه يتفتّت!!.

     القريبُ المسلوب، والبعيدُ المغوى لن يعرفوك أنّكَ من مسيح الرّب تحيا وتحكم.

     سيقاتلون وجهه فيك أو يتملّقّونك!!.

     إحذَر يا سيّدنا غوائل العدو!!.

     أما نحن كلّنا، في أنطاكية، فنقوم معكَ وفيها إذ تتمتمْ كلّ صبح ومساء، ”أنا لله مع كنيستي وشعبي وللعالم المغفرة والسّلام“!!. آمين.


أختك الرّاهبة
الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share