صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
ما معنى الطاعة في الحياة الرّهبانيّة، وما هو المعنى الرّوحي للنذر الرّهبانيّ؟!...(أجوبة للشّباب).

        بالنسبة لي، الطّاعة هي شيء لم أفهمه لفترة طويلة، ولم أعرفه كما يجب – كان هذا صعبًا علي. لذلك شئت، بمعونة والدة الإله، أن أجيبكم ببضع كلمات، وأكلّمكم عن معنى الطّاعة.

       الحبّ المسيحيّ، الّذي من خلاله نصبح واحدًا مع العالم بأسره، من دون أن يعرف بعضنا البعض، ينبع من الطّاعة. بالحقيقة، لا نستطيع أن نفهم كلّ الفضائل المسيحيّة إلاّ بطاعة الوصيتين اللّتين أوصانا بهما الرّبّ الإله أن: أحبب الرّب إلهك، وقريبك كنفسك.

       الطّاعة التي قال عنها الأب صفروني أنّها الفرق الأساسي بين الحياة الرّهبانيّة والحياة في العالم، ليست نظامًا إلزاميًّا، بل هي حالة قلب، في مقدمتها، يودع إنسان المحبّة أباه الرّوحي، شيخه، الّذي يتلقى منه الحياة الرّهبانيّة، رغبة قلبه. وبمحبّته له، وفي كشف قلبه له بملء إرادته، يتصرّف كما يُملي عليه أبوه الرّوحي، ويستسلم لمشيئته، متيّقنًا أنّه كتلميذٍ لا يعرف شيئًا. نُفرغ ذواتنا حتّى من الّذي يضعه فينا أبونا الرّوحي، أو الشيخ، ومن الّذي نتعلّمه في الدّير، وهكذا تبدأ الحياة. بمعنى آخر، نحن نولد عندما نأتي إلى الدّير. نولد لحياة جديدة. عليه تكون الطّاعة لنا أكثر من أي شيء آخر حالة قلب، بدء الحبّ، فيه نهب ذواتنا ونسلم أنفسنا.

       لماذا الطّاعة هي الخاصيّة الأساسيّة للحياة الرّهبانيّة، بخاصة في الأديرة؟ لأنّه في العالم الّذي نعيش فيه، صعب على المرء أن يطيع الجميع. تذكّروا، أنّه في خدمة الرّسامة الرّهبانيّة، نطلب من المتقدم إلى التكريس، الطّاعة لشيخه، لأبيه الرّوحي، ولكن أيضًا لكلّ الشّركة الرّهبانيّة. إذًا الطّاعة ليست نظامًا، وعليه يجب أن تسير الأمور بشكلٍ معيّن. الأهم بكثير، هو استعداد القلب. إلاّ أنّه يصعب إيجاد هذا الاستعداد للقلب في العالم حيث يجب أن ندافع عن أنفسنا باستمرار. ربما بدرجة أقلّ في القرى. ولكن في العالم كالّذي في المدن، خاصة الكبرى، يكون الإنسان مستعدًا إلى قتلك، والدوس على جثتك، فقط ليصل إلى مبتغاه، أو ما أدراني. هناك، كيف لك أن تنفتح لإنسان؟ لا تستطيع أن تنفتح سوى داخليًّا، ولكن دون أن تُظْهر نفسك. لا يمكنك أن تتواضع أمامه.

       في الحياة الرّهبانيّة، سوف أطلعكم على الّذي اكتشفته. أعتقد أنّ كلّكم الّذين اتجهتم نحو الحياة الرّهبانية، أتيتم بقصد التوبة، ولهذا السبب، يمكنكم أن تثقوا بأخيكم – حتّى لو أخطأ أخوكم (لأنّنا كلّنا خطأة)، حتّى إذا توصّل أخ إلى الكره، يجب علينا أن نكون متفهمين، الكراهيّة في الحياة الرّهبانيّة يجب أن تكون بحدود. لأنّ الجميع سوف يتقدمّون إلى المناولة المقدسة. كلّهم يخافون الله. كلّهم سيتوقّفون عن غيّهم في مكان ما. لن يتمادوا لدرجة قتلك جسديًّا، ولا حتّى روحيًّا. لذلك سوف تعاني وتتقبّل، كما يقولون في الرّسامة الرّهبانيّة، الاضطهاد، العراء، الجوع، وسوف تكابد أحزانًا أخرى أيضًا فيها تتجلّى الحياة في المسيح. هذه الأمور نعانيها كلّنا، في الدّير، وخارج الدّير، ولكن في الدّير، عندما نكتسب الطّاعة تصبح معانتنا ذات معنى. إذن يمكنكم القول: "حسنًا، لأخسر في الوقت الحاضر، كمن يقوم بمعروف. أخسر أنا، ويربح هو. في نهاية المطاف، إذا ربح أحدهم، كلّ الشركة الرّهبانيّة تربح. أمّا إذا تقاتلنا فكلّ الشركة الرّهبانيّة ستخسر، لأنّ روح الشقاق، روح الكراهيّة، روح المنافسة، ستتولّد. إذا خسرت أنا، وربح هو، هذا جيّد، لأنّ المحصول العام هو أنّي أربح أنا أيضًا. وكلّ الشركة تربح."

       وهكذا نعيش، ونتعلّم أن نعيش برقّة وبدفء الطّاعة، فتصبح الحياة اليوميّة رقيقة، محبيّة، تشهد لحضور نعمة الرّوح القدس في قلوب النّاس، وفي قلبنا نحن الرّهبان بصورة خاصة.


عن كتاب "L’autre Noica"
الرّاهب الأب الأرشمندريت
رافائيل (الرّومانيّ).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share