بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
(تابع ٣) الأمّ مريم... حدّثينا عن "الغيرةِ"... ما هي وكيف نتخلّصُ منها؟...(...).

   اليومَ سنتحدّثُ عن الغيرةِ والحسدِ!...

   "الغيرةُ" كُرْهٌ صغيرٌ للآخر، أمّا "الحسدُ" فقتلٌ للآخر!!...

   هكذا باستطاعتِنا أن ننهيَ الجوابَ المقالَ بهذه الجملةِ... لكن تعالوا نحاولُ توسيعَ الرّؤية...

   "الغيرةُ" هي من طباعِ الإنسانِ المتوارثةِ من السّقوطِ... ألم يَغَرْ "قايينُ" القاتولُ من أخيه "هابيلَ" المقدِّمِ أفضلَ محصولِهِ للإلهِ، فقتلَهُ؟... ألهذا قتلَهُ أم لأنّه بلغَ إلى الحَسَدِ، لأنّ هابيلَ كان قادرًا أن يعطيَ الإلهَ وكان في سلامٍ مع ربِّهِ، إذًا مع نفسِهِ؟...

   لماذا يستشيطُ غضبُ الإنسانِ حتّى على أخيه، فيقتلَهُ في ساعةِ امتلائِه من سُكنى الشّياطينِ فيه ليتخلّصَ من سببِ قلقِهِ ومقلقِهِ كان من يكونُ، الّذي هو يحسدُهُ؟!... هكذا تبدأُ دائرةُ ودوائرُ الشّرِّ تكبرُ لتتحكّمَ بطبيعةِ الإنسانِ... لذا أوّلُ الوصايا كانت حولَ الحبِّ وثانيها عن الحبِّ... بدءًا للرّبِّ، ثانيًا للأخِ الّذي ترجمَها القدّيس سلوان: "أخي هو حياتي"...

   أترون، يا أحبّةُ، كيف تتحرّكُ الطّبائعُ البشريّةُ متداخلةً واحدةً بالأخرى حتّى إذا غار الإنسانُ (كان من يكونُ)، لأنّ أخًا أو أختًا حتّى ولو من الغرباءِ سبقَهُ وتخطّاه بالمالِ والنّجاحِ والشّهرةِ فإنّه بعنفِ الحسدِ ينقضُّ عليه في فكرِهِ، في نفسِهِ، في قلبِ روحِهِ وتنتهي سيرتُهُ مع الآخرِ بقتلِهِ ولو معنويًّا!!... وإلاّ يتقدّمَ إليه ليحابيَه الكلمةَ والابتسامةَ والفرحَ به وبنجاحِهِ كاذبًا... إذ ذاك تلدُ تلك "الغيرةُ" ابنَها الأوّلَ: "الكذبَ"... و"الكذبُ" يولِدُ "الرّياءَ" ويكونُ هذا الابنُ الثّاني والمستنفعُ الموَّلدُ الاختناقَ... لأنّ الإنسانَ ينجرُّ بالحقيقةِ، فيبدأُ بتغطيةِ جروحِهِ المتألّمةِ من عدم محبّتِهِ، بالرّياءِ وبمحاباةِ الوجوه، أو بإقحامِ وخلطِ الصّالحِ بالطّالحِ، فيقتصَّ من الآخرِ الّذي لا يريدُ أن يقطعَ الحبلَ معه، بل يسايرُهُ على قدرِ طاقتِهِ لتصلَ مسايرتُهُ له إلى حدِّ "التّملّقِ" فيبدأَ بخلطِ "الغيرةِ" "بالكذبِ" ثمّ "الرّياءِ" "بالتّملّقِ"... ثم "بالمداهنةِ" الّتي هي إلحاحُ "التملّقِ"!!...

   هكذا كلّما اتّسعَتِ الدّائرةُ هذه، كلّما صَعُبَ على أيِّ إنسانٍ أن يعودَ ليلتقطَ روحَهُ الّتي بدأتْ تهيمُ في أرضٍ غريبةٍ لتلبّيَ نداءَ الماردِ الشّيطانِ الّذي همُّهُ المبدئيِّ خنقُ روحِ الرّبِّ في الإنسانِ...

   ويتدخّلُ الرّبُّ الإلهُ، يسوعُ المتجسّدُ والمصلوبُ من أجلِنا، لخلاصِنا، فيهرعَ بنا إلى السّكنى في ديارِهِ... ينتزعُنا من واقعِنا المموّهِ المريضِ الّذي صارَ وكأنّه طبيعتُنا... فيبدأَ علاجُ روحِ الرّبِّ لنا  بأن يؤدِّبَنا لأنّه يحبُّنا... والرّبُّ في كلِّ محنةٍ أو تجربةِ، يسمحُ بها لنا، يؤدِّبُنا... إنّ التّأديبَ هذا ليس للاقتصاصِ منّا نحن أولادَه، الّذين خلَقنا على صورتِهِ، بل ينادينا بالآلامِ لنسمعَ فنركضَ ونعملَ منه ومعه فيساعدَنا بحبِّهِ للوصولِ لاستعادةِ روحِ الحبِّ الّذي أنطقَنا به اسمَهُ لأنّه نقلَ حبَّه لنا...

   هنا نصرخُ "يا أبّا الآبِ"... والصّارخ هنا هو الإنسانُ التّائق ليجلسَ بالمسيح عن يمينِ الآبِ!!... الألمُ بعد السّقوطِ، صارَ المعبرَ "الوحيدَ" لخلاصِنا لأنّ الإنسانَ لا ولم يفهمْ غمرَ محبّةِ وإطلاقيّةِ حبِّ الآبِ إلاّ بالابنِ المصلوبِ ليخلِّصَنا من خطايانا والّذي صرخَ لأبيه شاهقًا... "لماذا تركتَني؟!"...

   وتبقى هذه الصّرخةُ هي عنوانُ توبتِنا نحن لاسعادتِنا والرّجوعِ إليه...

   حين وعى الإلهُ الابنُ أنّنا ما زلنا حتّى بعد صلبِهِ نصلبُه، بأنّنا نكذبُ ونُرائي ونتلوّنُ بعلاقاتِنا البشريّةِ لنرضيَ النّاسَ لا الله، صرخ لأبيه الآبِ السّماويِّ:  لماذا تركتَني بعد أن أرسلْتَني لأُخلِّصَ ما قد هلكَ بجسدي وروحِكَ القدّوسِ... خُذْني... كُنْ معي على الصّليبِ واختطفْني إليكَ... لأنّ جسدي هذا المجرَّحَ لا يستطيعُ أن يخلِّصَ البشريّةَ... لأنّهم كذبوا وراؤوا في حبِّهم لكَ ولي ناكرين الرّوحَ القدسَ!!...

   ارتجّ الثّالوثُ، فأقامَ الآبُ الابنَ وأصعدَه ليجلسَهُ بطبيعتِه البشريّةِ عن يمينِهِ... هكذا بدأَ الرّوحُ القدسُ يعملُ في أحشاءِ وقلوبِ البشريّةِ علّها تستطيعُ إن حاولَتْ بصدقٍ أن تنجوَ من قباحاتِ الشّرّيرِ المعشِّشَةِ في كيانِ البشريّةِ أن تسمعَ فتخلصَ...

   وتتمتمَ الرّوحُ: "سامحْنا يا الله ولا تَدَعْنا نعودُ إلى أهوائِنا... علِّمْنا بحبِّكَ الوعيَ أنّ لا خلاصَ لنا إلاّ بروحِكَ القدّوسِ السّاكنِ فينا والآتي بنا من البعدِ البعيدِ لنَخْلُصَ نحن والآتون بعدنا إن سلكْنا في "الأمانةِ" والحبِّ بالتّوبةِ إليكَ"... آمين.


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share