الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
ما معنى البركة؟ لماذا نأخذها؟ ممن نأخذها؟ وما هو تأثيرها علينا؟ وهل هي ضروريّة لكلّ منّا؟....(ن. ح.).

     "باركي يا نفسي الرّبّ ويا جميع ما في باطني اسمه القدّوس، باركي يا نفسي الرّبّ ولا تنسي جميع مكافأته. الّذي يغفر جميع ذنوبك الّذي يشفي جميع أمراضك، الّذي ينجّي من الفساد حياتك. الّذي يكلّلك بالرّحمة والرّأفة، الّذي يشبع بالخيرات مشتهواتك فيتجدّد كالنّسر شبابك". (مزمور 1:102-5).

     هذه هي البركة يا بنيّتي... وهذه مفاعيلها على الإنسان المصلّي المحبّ للرّب...

     الرّبّ يعطي البركة للإنسان، وإذ يملأه بروحه القدّوس، تصير البركة خاصيّة من "ممتلكات" الإنسان، فتحيا فيه وتتجدّد مفاعيلها بالصّلاة اليوميّة، خاصة بذكر اسم الرّب يسوع كلّ حين... "يا ربّي يسوع المسيح يا ابن الله الحي ارحمني أنا عبدك (أمتك) الخاطئ (الخاطئة)". وفي تردادها تُختصر هذه الصّلاة حتّى توافق ذهن هذا العصر السّريع لتصير، "يا ربّي يسوع ارحمني أنا الخاطئ".

     بهذه البركة المعطاة للإنسان من الله، يردّها الإنسان للإله لأنّها تصير كلّ ما يملكه ليخاطب به إلهه... هكذا تتجدّد النّعمة كلّ لحظة مالئة عقل ونفس وروح وكيان الإنسان بكليّته، فإذ يرفع قلبه للصّلاة يبارك هو الآب والإبن والرّوح القدس، يتّحد بالثّالوث فيصير معه واحدًا بالنّعمة!!!.

     هذا التماهي بين الله والإنسان، هو عربون وختم البركة للحياة الحق!.

نأخذ البركة من الّذين يصلّون ويحيون الصّلاة في عمق أعماقهم، إذ تتجلّى النّعمة في مسيرتهم وعلى وجوهم، ناطقة بالنّور والهدأة على محيّاهم وفي سيرة حياتهم!.

     أنتِ تسألين عن البركة الملموسة وأنا متأكدة أنّك تقصدين بها، رفع الكفّين بشكل صليب وتقبيل يد معطيها، بعد أن يصلّب على الكفّين الممدودتين أمامه!.

     الكتاب المقدّس بأكمله يتكلّم فيه أنبياء العهد القديم عن البركة الّتي كانت هي محور حياة البشر... قبل الخروج إلى الحرب، قبل الزواج، قبل الانتقال من مكان إلى آخر، قبل الذهاب لزرع أو لقطف المواسم: القمح والخضار والأثمار... قبل الخروج من المنزل صباحًا للعمل وقبل النّوم عند رجوعهم من تعب يومهم!.

     أما في العهد الجديد، فالبركة صارت فعل حياة وشفاء وإخراج أرواح خبيثة وجلوس عند قدمي السّيّد لاستقاء النّعمة من كلامه واتباعه في مسيرة بشارته، صلبه وقيامته!.

     في ذلك الحين، كان الأولاد يأخذون البركة من آبائهم، ولقد دامت هذه العادة المباركة حتّى الآن في بعض المجتمعات المشرقيّة، لأنّها كانت تدل على طبيعة العيش اليومي والرّباطات العائلية... رأس البيت، أو القبيلة، كان بحكمته ومسيرة حياته وصلاته، هو الحامل وديعة البركة من الله ليعطيها لأبنائه...

وكان بعض المؤمنين يذهبون إلى من انتشر صيتُ تقواهم ولو بعيدًا، ليحصلوا منهم على البركة، وهذه العادة كانت لا تميّز بين الأب والأم، لأنّ السّيرة الحياتيّة الرّوحية والمسؤوليّة الّتي يحيا بها الواحد منهم، كانت هي المعيار الأساس.

     أما الآن فلقد بقيت هذه العادة في أوساط محدودة جدًا... في جو الكنيسة وفي الأديار!!. مع رفض غالبيّة الجيل الجديد أخذ البركة، حتّى من الكاهن أو من رئيس أو رئيسة الدير: "لأنّ هؤلاء مثلنا، ولا يملكون نعمة مختلفة، ولماذا هذا الخضوع لإنسان مثلنا؟! علاقتنا مع الله ليست بحاجة لوسيط"، يقولون!

     الموضوع يا بنيّتي، هو موضوع "حياتيّ صلاتيّ" في العمق!...

الابن المحبّ يودّ الالتحام بأبيه أو بأمه بأية طريقة كانت!!. فإذا كان الإيمان في كنيستنا يُعبَّر عنه بالسّجود وتقبيل الإيقونات الحاملة شعاع الإله في وجوه وأحداث حياتنا الكنسيّة، فلماذا لا نرى أن تقبيل يد من أُعطيَ البركة بالتراتبيّة الكنسيّة، يقرّبنا من مُعطي البركة الحقيقية، الرّب يسوع المسيح؟!.

تَجُسُّد إلهِنا جعل حضوره حقيقة فيما بيننا، وذلك بعد صعوده وإرساله الرّوح القدس إلى الكون. هكذا أُعطيَ حمل بعض المتبتّلين للإله هذه النّعمة، بوضع الأيدي أو بالتكريس الرّهباني!!.

الموضوع ليس موضوعًا إنتقائيًا إجتماعيًا، كما يُقبِّل الرّجل يد المرأة للسّلام عليها في الدّعوات... بل هو التوق للحصول على نعمة الرّوح القدس السّاكن في الحامل القدسات كاهنًا كان، أم راهبًا أو حتّى أبًّا أو أُمًّا في بيوتنا ومجتمعاتنا!...

إذا حيينا في عمق الصّلاة وخَبِرنا نعمة الرّوح القدس الفاعلة فينا وفي الآخرين، فإنّنا لا بدّ سنفهم ونطلب البركة للإتحاد بالإله كما في الصّلاة وكذلك كما نراها روحيًّا، بصورة ووجه الإله في الآخرين...


الأمّ مريم

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share