روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل

 

الأَحدُ الخامس من الصَّوم
القـدّيسـةُ مـريـمُ المصـريَّـةُ.!!.
إِبْـنَـةُ المسـيـح...
وأُمِّـهِ والـدَةِ الإِلـهِ... مـَرْيَـمْ.!!..

   نحنُ، اليومَ، أَمامَ مَحَطَّةٍ، بل إِنَّنا نَقِفُ في مَحَطَّةِ القداسَةِ البَشَريَّةِ، باحِثينَ عن مَقْعَدٍ نَرْتاحُ فيهِ، لِنُشْفى من تَعَبِ رَكْضِنا في مجاري وزَواريبِ هذا العمر... قاصِدِينَ رَجاءَنا الأَخير.!...

    لماذا، "مَريَمُ المِصْريَّةُ".؟!. لأَنَّ كَنيسَتي اخْتارَتْهَا، تِلْكَ الّتي أَخْرَجَها الرَّبُّ من سَرادِيبِ وعَتَماتِ خَطيئَةِ الجَسَدْ، للارتِقاءِ بِتَوْبَتِها من الظُّلْمَةِ وظِلالِ الموتِ، كَي تَصيرَ نِبْراسًا ونورًا يَسْتَضيءُ به كُلُّ الآتينَ، الماخِرينَ بِحارَ هذا العُمْرِ لِيرْتاحوا في مِيناءِ خَلاصِ الإِلهِ، في نورِهِ الإِلهيّ، في قِيامَتِهِ، من خِلالِ مَرْيَمَ المصْرِيَّةِ“، ومَعَها، اليوم في هذا الأَحَدِ الأَخيرِ قَبْلَ دُخولِ السَّيَّدِ آلامَهُ في أورُشَليم.

    قد يَتَبادَرُ إِلى أَذْهانِ البعضِ، الآن، لماذا نَتَّخِذُ مَريمَ المصريَّةَ طَلْعَةَ مِثالٍ.؟!. أَنَحْنُ زُناةٌ مِثْلَها.؟!. نحنُ نَحْيا مع المسيحِ، في كَنِيسَتِهِ، ونَتَّقيهِ في كُلِّ ما نَقولُ ونَفْعَلُ.!. نحنُ نَصومُ ونُصَلّي.!. نحنُ نَنْتَمي إِلى جَسَدِ الكنيسَةِ في لِقاءاتِ جَماعاتِنا الأُرثوذُكْسِيَّة. نحنُ نُرَتِّلُ، نَدْرُسُ الكُتُبَ... نَقْرأُ، نَسْمَعُ الأَحاديثَ، نَزورُ الأَدْيار، نَلْتَقي بجماعاتٍ مصلّيّةٍ، نُعلِّمُ أَولادَنا حُبَّ المسيح.!!. نحنُ لهُ.!!. فكيف نَتَشَبَّهُ بمريم المصريّة.؟!... ولماذا وَضَعَتِ الكنيسةُ عيدَها وتَذْكارَها في الأَحدِ الخامسِ من الصَّومِ الأَرْبَعينيّ المبارَك.؟!...

    هكذا تُسرِعُ أَرْجُلُنا إِلى الخلاصِ بالتَّسْآلِ هذا، ثُمَّ إلى الهرَبِ من أَهْوائِنا الّتي حَدَّدَها لنا الآباءُ إِذا أَرَدْنا العبور إِلى النّور.!!.

    فلْنَتَذَكَّرْها سَويَّةً، لِنَدْخُلَ في سِرِّ تَوبَةِ القدّيسةِ مريم المصريّة... ليَصيرَ كُلُّ واحدٍ منّا عُنوانًا للتَّوبَةِ، وعُرْبونًا ونَبْعًا للدِّموعِ، الغاسِلَةِ قاذوراتِ خطايانا، الّتي لا عَدَّ لها ولا حَصْرَ، متى وَعيناها بنعمةِ الرّوحِ القُدس.!!.

    بَدْءًا فلنَسْمَع النِّداءَ... نِداءَ الرّبِّ يسوعَ المسيحِ الأَوّلِ لنا، وهو "نِداءُ الحُبِّ" والوصيّةُ الأولى: "أَحْبِبْ الرَّبَّ إِلهَكَ من كُلِّ قَلْبِكَ ومن كُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ قُدْرَتِكَ". ثمّ الوصيّةُ الثّانيةُ: "أَحْبِبْ قَريبَكَ كَنَفْسِكَ، وهي من الأُولى ومثلُها" (مت 37:22-39).

    بإِمْكانِنا، أَن نُحِبَّ الإِلهَ كما نَرْتَئي نحن.!. يَعْني أَن نُسْقِطَ على الإِلهِ أَهْواءَ نُفوسِنا، ونَقولُ عنها، إِنّها الوصايا الإِلهيّةُ، فيما نَكونُ بالحقيقة في حالَةِ خلط بين ما يُريدُهُ الإِلهُ منّا وما نُريدُهُ نحنُ من أَنفُسِنا ومن الآخَرين...

    "المأساةُ" الّتي حلَّت بالإِنسانِ، مُنْذُ البَدْءِ، هي مأساةُ "الزِّنى".!.

    نَعَمْ، آدمُ الأَوّلُ وحَوّاءُ الأُولى زَنَيا على الرَّبِّ إِلهِهِما، بِكِذْبِهما وٱحتيالهِما إذ أطاعا الشَّيطانِ الحيَّةِ لا الإِلهَ.!!. ونحنُ صِرْنا ذُرِّيَّتهما، زُناةً من زِناهِما لأَنَّنا، مِثْلَهُما، لم نُطِعْ نِداءَ الله الآبِ في فِرْدَوسِ حُبِّهِ لنا، بل مَدَدْنا أَنْفُسَنا إِلى عِبادَةِ آخَرٍ غير الإِلَهِ، أَي  أَنفُسَنا.!!.

    نَسْمَعُ صَوْتَ الحَيَّةِ الشَّيطانِ في مَشيئَتِنا الذَّاتِيَّةِ، في اتِّباعِ فِكْرِنا وقَصْدِنا وما نُريدُهُ من هذا العُمْرِ، عُمْرَنا، مشيحين عن وَجْهِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ... في الآخَر.!!. وتاليًا في ذاتِهِ.!..

    هذه كانتْ "حكايةَ مريمَ المصريَّة"، في صِباها، حين عَشَّشَ، في قَلْبِها، شَيطانُ اللَّذَّةِ والغِوايَةِ، فارتَكَضَتْ إِليه لتفتُّحِ جسَدِها، تَعْرِضُهُ في سُوقِ النِّخاسَةِ على كُلِّ عابِرِ سبيلٍ ليَغْرَقَ في لُجةِ هَواها...

    لم يكُنْ باستطاعَةِ أَيِّ إِنسانٍ أَو أَيِّ جُهْدٍ أَرْضِيٍّ أَن يَنْزِعَ مريمَ، الفتاةَ الصَّغيرةَ، المُمْتَشِقَةَ الشَّهْوة، عن خطيئتِها الّتي عُرِفَتْ فيها... "وحْدَهُ الصّليبُ" تَصَدَّى لها حتّى لا تَدْخُلَ إِلى حِضْنِ والدةِ الإِلهِ، في كَنيسَتِها، لِكَثرَةِ وعِظَمِ شَناعَةِ أَفعالها.!!. مَنَعَها.!!.

    صَدَّتْها والدةُ الإِله عن الدّخولِ إِلى كنيسَتِها، للسُّجودِ لِلصَّليبِ، ومن ثَمَّ الحج إِلى وجه ربِّها، في أورشليمَ، مع جَمْهَرَةِ الحُجَّاجِ، كي يَخْلُصُوا في نَذْرِ حَجِّهِمْ إِلى الأَماكنِ المقدَّسة، لأَنَّ "مريمَ المَصْرِيَّةَ" ٱبْتَغَتْ لا السُّجودَ توبَةً، بل تَدْنيسَ نَفْسِها وكُلّ مَن سَتَلْتَقيهِم.!.

    "مريمُ المصريّةُ"، لم تَكُنْ هي هي الدَّنِسَة، بل الشَّيْطانُ الّذي اجْتاحَها، ساكِنًا فيها، ماحِقًا كُلَّ نورٍ كان مَخْبوءًا في أَعْماقِها، وجارًّا إِيَّاها إِلى الزِّنى الّذي قَوَّضَ "بيتَ الإِلَهِ"، إيّاها، وسُكْناهُ فيه.!!.

مُشْكِلَتُها أَنَّها قارَبَتِ العالمَ وحُبَّ العالمِ فابْتَعَدَتْ، تاليًا، عن الإله.!!.
كلّ من يُحِبُّ العالمَ وما في هذا العالمِ يُصْبِحُ عَدوًّا للإِلهِ.!!.
والرَّبُّ قالَ لقَطيعِهِ الصَّغيرِ الّذي تَبِعَهُ: "أَنتُمْ لسْتُم من هذا العالمِ" (يو 19:15).

   فمريمُ"، عِوَضًا عن اسْتِسْلامِها للفضيلَةِ ودخولهِا إِلى الهَيْكَلِ، إِلى داخِلِ الخِدْرِ لتَحْيا مع والدةِ الإِلهِ، اسْتَسْلَمَتْ، بأَفْكارِ قَلْبِها للفِسْقِ والخُبْثِ والرَّذيلَةِ.!!.

    كانت بهيَّةَ الطَّلْعَةِ، جميلةً، فاصْطادَها عَدوُّ البَشَرِ ليُميتَها، لا بل لِيَجْعَلَ منها طُعْمًا يَلْتَهِمُهُ كُلُّ مَن تَحَرَّكَ جَسَدُهُ إِلى اللّذّةِ والشَّهْوَة.!!.

كُلُّ هوًى في النَّفْسِ البشريَّةِ مَولودٌ من لَذَّةِ الجسَدِ.!!.

   كذلك، كُلُّ خَطيئةٍ هي وَلِيدَةُ الأَنا المرْتَبِطَةِ بحِسِّ الزِّنى، بحِسِّ الجسَدِ.!.فإنّ الهوى الأَقْرَبُ إِلى الحِسِّ والنَّفْسِ هو هَوَى الطَّبيعَةِ إِلى الإِيلادِ، وهو، تاليًا، يُدَنِّسُ الجسَدَ والفِكْرَ والرّوحَ، إِذا خَرَجَ من مَدارِ حُبِّ الإِلهِ وضَبْطِ النَّفْسِ للإِيلاد إلى حياةِ الإِنسانيَّةِ.!!.

    يَقولُ الكِتابُ إِنَّ كُلَّ خَطيئَةٍ تُرْتَكَبُ خارِجَ الجسَدِ، أَمّا الزِّنى، فهو داخِلُ الجسَدِ ومن الجسَدِ، وهو، تاليًا، يُدَنِّسُ هَيْكَلَ الله الّذي هو الجسَدُ.!!. "أَنتُمْ هَيكَلُ الله وروح الله ساكن فيكم"... "فَمَنْ يُدَنِّسُ هذا الهيكل يُدَنِّسُهُ الله"... (1 كو 19:6).

    وبِما أَنَّ المؤمنينَ مَعًا، وكُلًّا منهم، على حِدَةٍ، هَيكَلُ الله الواحِدِ نفسِهِ (1كور3: 16)، فيَنْبَغي، من ثَمَّ أَن يَكونَ هذا (الهيكلُ) كامِلًا في كُلٍّ منهم، كما يَنْبَغي أَن يَكونَ كامِلًا في الكُلِّ.!!. هذا رغم أَنّ المزايا والعطايا الإِلهيّةَ بين البشَرِ ليستْ مُتَساويَةً، بل تَظْهَرُ في تَنَوُّعٍ... غير أَنّ "المحبَّةَ بين البشرِ، هي وحْدَها الّتي تُحرِزُ الاتّحادَ في الصَّلاحِ.!..

    فَمَن كان يَجْمَعُهُمُ الحُبُّ الإِلهيُّ المقدَّسُ، إِنَّما يَتَشاطَرون الفَرَحَ بِخَيراتِهِم مع أَنَّهُم لا يَتَشاطَرون هِباتِ النِّعْمَةِ نفْسِها وما يُحِبّونَهُ، لأَنَّ إِيجادَ المرْءِ فَرَحَهُ في تَقَدُّمِ الآخَرين يزيد من غناه هو.!!. إذًا، كُلُّ ما يُمْكنُ للأَهْواءِ المعَشِّشَةِ في النّفسِ أَن تَتَفاخَرَ به، كالغرورِ، والغضبِ،  والفِسْقِ،والطَّمَعِ، وحُبِّ الظّهورِ، وإِدانةِ الآخَر، والاستعلاءِ عليه، هذا كُلُّهُ لا علاقةَ لهُ بمحبّةِ المسيحِ الّتي تَربِطُ النّاسَ بوصيَّتِهِ الأُولى: "أَحْبِبْ الرَّبَّ إِلهَكَ من كُلِّ قَلْبِكَ ومن كُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ قُدْرَتِكَ ومن ثمّ الثّانية: "أَحْبِبْ قَريبَكَ كَنَفْسِكَ"، بل يكونُ من اقتدارِ الشَّيطانِ عليهم.!!.

    كُلُّ إِنسانٍ لا يُحِبُّ أَخاهُ الإِنسان بصفاءِ نِيَّةٍ، ليس لهُ مَطْرَحٌ في الأَخْدارِ السّماويَّةِ مع الرّبِّ يسوع وقدّيسيه.!!. وتاليًا، في اقتباله آلامَ الصّليبِ وفرح القيامَةِ.!!.

    في الفردوسِ، لا يَسْكُنُ إِلّا الأَنقياءُ والمسْتَنيرون بالجهادِ اليَوميّ وبمَعْرِفَةِ خطاياهم لكي يَتوبوا عنها كُلَّ لحظةٍ بالدُّموعِ والحُبِّ والبَرَكةِ  وَبِسَكْبِ المحبَّةِ تُجاهَ كُلِّ النّاس.!!.

    إِنّ خُدّامَ الله وتلامِذَةَ الحقِّ، يُحِبّون حَثَّ أولئك المختَلِفِين عنهم، وهم يُعْلِنون الحرْبَ على الرَّذائلِ، بالأَحرى، لا على البشرِ إذ لا يُكافِئون على شَرٍّ بشَرٍّ (رو12: 17)، بل يَسْعَوْن، دَومًا، إلى محبّةِ الخَطأةِ والصّلاةِ لأَجْلِهم ومُعاوَنَتِهم بالصَّمْتِ والمِثالِ الطَّيِّبِ لكي يَأتوا بهم إِلى خَلاصِ الرّبِّ.!!.

    قال الرّبَّ: "أَنا لم آتِ لأَدعو الصِّدِّيقين بل خَطأةً إِلى التّوبةِ"(متّى9: 13). فإنَّ الفَضائلَ مَعْدومةٌ إِن خَلَتْ من المحبّةِ.!!. فإذا نَظَرَ أَيُّ إِنسانٍ ما في قَلْبِهِ، وَوَجَدَهُ خاليًا من الاستكبارِ أَو الإِدانةِ أَو تَعْييرِ الآخَر، فلْيَعْرِفْ، أَنّ الله ساكنٌ فيه.!..

    في الواقع إِن كان "اللهُ محبّةً" (1يو: 8؛ 16) فلا يُمكِنُ للمحبّةِ، من ثَمَّ، أَن تُحدَّ، طالما أَنّهُ لا يُمكِنُ لأحدٍ أَن يُحيطَ بالأُلوهيّةِ" (القدّيس لاون الكبير). "فكم بالأَحْرى دَمُ المسيحِ الّذي، بالرّوحِ الأَزَليّ، قَرَّبَ نفْسَهُ لله بلا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمائرَكُمْ، من الأَعمالِ الميِّتَةِ لتَعْبُدوا الله الحَيّ" (عب9: 14).

    أو كما قالَ "القدّيسُ أَمْبروسْيوس": "مغبوطٌ هو ذاك الّذي يَعرِفُ كيف يَسْتَعْبِدُ نفْسَهُ بعد سَقْطَتِهِ، لأَنّ القيامةَ بعد الموتِ إِنَّما هي أَيضًا امتيازُ المغبوطِين".!.. هكذا تَنْدَرِجُ مَسيرتُنا مع "مريمَ" من الآن وحتّى الجلجةِ فالصَّلْبِ والدَّفْنِ لكُلِّ هَوًى في أَنفُسِنا كي يكون لنا نصيب في القيامة.!!.

********

   

   مريمُ المصْرِيَّةُ الصَّبيَّةُ المِغْناجُ، المتَفَلِّتَةُ، لم تَكُنْ فاسقة فقط، بل كانت فتاةً زانية.!!. استبدَّ بها روح الزّنى.!.. كلّها كانت زنى.!..

     فلقد مَخَرَتْ عُبابَ بَحْرِ الهوى إِلى عُمْقِ أَعماقِ اللّذّةِ.!!. استَحْوَذَ روح الزّنى عليها سريعًا وباكِرًا لأَنّها استسلمتْ للبَطالَةِ، فاستحوذتْ عليها الشَّهوةُ لكَسَلِها وتَوانيها وعدم مَعرِفَتِها، بَدءًا، "بالرّبِّ يسوع"...

    ربّما لم تُدْرِكْ تلك الفتاةُ أَنّها، بدالَّتِها على جَسَدِها ووَعْيِها صِباها النَّضِر، لن تَسْتَطيعَ مُقاومةَ الخطيئة الّتي في إِنسانِها الضّعيف، في إِنسانِها العَتيقِ.!!. والهوى إَذا امْتَلَكَ النَّفْسَ، فإِنّه يُؤَجِّجُ نارَ اللّذَّةِ ويَتْبَعُها بأَلفِ أَلفِ حِسٍّ لا يَتَوقَّفُ.!!. نحنُ لا نَعرِفُ من السِّيرةِ الّتي كَتَبَها "القدّيسُ صفرونيوسُ بطريركُ أُورشليم" عن "القدّيسَةِ مريمَ المصريَّةِ"، أَيّةَ تفاصيلَ تُغْنينا، عن طبيعةِ عائلتِها ومَنْشَأ تَرْبِيَتِها... نَعرفُ، فقط، أَنّها بادَرَتْ إِلى العَيشِ المتفلِّتِ في سِنٍّ مُبكِّرَةٍ جدًّا، بعد بُلوغِها النُّضْجَ ووعْيِها جمالَها.!!. لماذا.؟!. مَن جَرَّها.؟!... أَيّ شيطان.؟!...

    وسؤالي الموجِعُ لي ولكُم وللرّبِّ: أما تحيا غالبيّةُ فَتياتِ عَصْرِنا ومجتمَعِنا، اليوم، في خانةِ الموتِ الجحيميّ للفُجورِ الّذي عاشَتْهُ تلك القدّيسَةُ.؟!...

    أَمَّا خَوْفُنا نحن، كأُمَّهاتٍ في الجسَدِ والرّوحِ، أَن لا تَعودَ فتياتُنا وبناتُنا إِلى معرفَةِ الرّبِّ يسوع كما عَرَفَتْهُ "مريمُ المصْرِيَّةُ"... وأَن يَتُبْنَ كما تابَتْ.!!.

    طرائقُ الرّبِّ، لا عَدَّ ولا حَصْرَ لها في إِرْجاعِ كُلِّ خروفٍ شاردٍ منّا إِلى حَظيرتِهِ، لنحيا فيها مع إِخْوَتِنا بسلامٍ وتوبة.!!.

    وكان "لمريمَ المصرِيَّة" خلاصٌ في البريَّةِ، بحُبِّ والدةِ الإِلهِ لها، إِذ أَطْلَقَتْها، لتَحْيا في تَوبَتَها مع وحوشِ الغابِ ووحوشِ جسَدِها.!!.

    هكذا عاشَتْ سَبْعَ عشرةَ سنة، عُمْرَ زِناها، لتَسْتَرْجِعَ بَرَكَةَ الاتِّحادِ بجَسَدِ الرّبِّ يسوع، بواسطة زوسيما الرّاهب... الّذي حَفَرَ قَبرَها الأَرْضيّ لها والأَسَدَ، نحو قيامتِها وٱتِّحادِها برَبِّها.!!. للخلاصِ بيسوع.!!.

فِعْلُ التَّوبَةِ الإِلهيّ، كان مُنْتَظِرَها.!!.

   

   ونَسأَل: ماذا اعْتَمَلَ في حِسِّ وقَلْبِ وفِكْرِ "مريمَ المصرِيَّةَ" وهي في سعي إِلى تَوبَتِها.؟!.

            وَقَفَتْ أَمامَ الصَّليبِ وكان "عِيدُهُ".!!. فلَمْ تِسْتَطِعْ لا تَقْبيلَهُ... ولا الدُّخولَ مِثْلَ سائر الحُجَّاجِ للسُّجودِ له والتَّبَرُّكِ به.!!.

            واليومَ نَقِفُ كُلُّنا أَمامَ "أَيقونَةِ الصَّليبِ" ليَرْفَعَنا الرّبُّ عليه، فنَصيرَ نحن أَيضًا تُبَّاعَ الرّبِّ يسوعَ للتَّوبَةِ.!!.

            ووَقَعَ الصَّمْتُ.!!.

            وساءَلَتْ "مريمُ المصريَّةُ" ذاتَها... مَن أَنا.؟!...

            أَنتِ إِبْنَةُ المسيح.!!... أَنتِ إِبنَةُ والدَةِ الإِلهِ... مريم.!!.

            وأَنا تائِبَةٌ إِليكَ، ربّي وإِلهي ومُخَلِّصي.!!.

            فسامِحْني وإِرْحَمْني... إِذ تَوَّبتَني إِليكَ.!!. وأُمَّكَ.!!.


آمين.

 

الأمّ مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

18 نيسان 2021

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share